محمد حسين الذهبي
62
التفسير والمفسرون
وهذا بالضرورة كان بالنسبة إلى ما ليس عندهم فيه شئ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه لو ثبت شئ في ذلك عن رسول اللّه ما كانوا يعدلون عنه إلى غيره مهما كان المأخوذ عنه . أهمية هذا المصدر بالنسبة للمصادر السابقة : غير أن رجوع بعض الصحابة إلى أهل الكتاب ، لم يكن له من الأهمية في التفسير ما للمصادر الثلاثة السابقة ، وإنما كان مصدرا ضيقا محدودا ، وذلك أن التوراة والإنجيل وقع فيهما كثير من التحريف والتبديل . وكان طبيعيا أن يحافظ الصحابة على عقيدتهم ، ويصونوا القرآن عن أن يخضع في فهم معانية لشئ مما جاء ذكره في هذه الكتب التي لعبت فيها أيدي المحرفين ، فكانوا لا يأخذون عن أهل الكتاب إلا ما يتفق وعقيدتهم ولا يتعارض مع القرآن . أما ما اتضح لهم كذبه مما يعارض القرآن ويتنافى مع العقيدة فكانوا يرفضونه ولا يصدقونه ، ووراء هذا وذاك ما هو مسكوت عنه ، لا هو من قبيل الأول ، ولا هو من قبيل الثاني ، وهذا النوع كانوا يسمعونه من أهل الكتاب ويتوقفون فيه ، فلا يحكمون عليه بصدق ولا بكذب ، امتثالا لقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا . . . الآية » . وسنوفق بمشيئة اللّه تعالى بين هذا الحديث وحديث « بلغوا عنى ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . . . » ، ونذكر مدى تأثير اليهودية ، والنصرانية على التفسير في أدواره المختلفة من من لدن عصر الصحابة إلى عصر التدوين ، وذلك عند الكلام عن التفسير المأثور إن شاء اللّه تعالى .