محمد حسين الذهبي

413

التفسير والمفسرون

في أنفسهم وفي غيرهم ، كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته ، وظهوره فيهم على الوجه الذي أراده اللّه تعالى وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته ، بمنزلة المقر المعترف وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة ، ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 1 » ، وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ، ولا منهما جواب . ومثله قوله تعالى « شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ » « 2 » ونحن نعلم أن الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم ، وإنما ذلك لما ظهر منهم ظهورا لا يتمكنون من دفعه ، كانوا بمنزلة المعترفين به ، ومثل هذا قولهم : جوارحي تشهد بنعمتك ، وحالي معترفة بإحسانك ، وما روى عن بعض الحكماء من قوله : سل الأرض من شق أنهارك ؟ وغرس أشجارك ؟ وجنى ثمارك ؟ فإن لم تجبك جؤارا ، أجابتك اعتبارا وهذا باب كبير ، وله نظائر كثيرة في النظم والنثر ، يغنى عن ذكر جميعها القدر الذي ذكرناه منها ا ه . الطريقة اللغوية في تفسيره للقرآن : ثم إننا نجد الشريف المرتضى ، قد ولع بالطريقة اللغوية في تفسيره للآيات القرآنية ، وحرص كل الحرص على تطبيق هذا المبدأ اللغوي ، الذي يعتبر الأصل المهم من قواعد التفسير عند المعتزلة ، وكثيرا ما نراه يظهر مهارة فائقة في استعماله لهذه الطريقة عندما يساوره الشك في ظاهر اللفظ الذي يتعلق بالعقيدة ، فنراه يفسره تفسيرا مقبولا لديه ، يقوم على أساس من الأسس اللغوية . والحق أن الشريف المرتضى قد ظهر تفوقه العلمي الصحيح ، عند تطبيقه لهذا المبدأ ، وذلك راجع إلى تمكنه العظيم من اللغة والشعر القديم ،

--> ( 1 ) الآية ( 11 ) من سورة فصلت . ( 2 ) في الآية ( 17 ) من سورة التوبة .