محمد حسين الذهبي
411
التفسير والمفسرون
المعاني القرآنية الظاهرة ، التي تبدو في أول أمرها مستبعدة مستغربة ، والتي يجوزها أهل السنة ويرونها أولى بأن يحمل اللفظ عليها من غيرها ، ويتخلص من ذلك إما بحمل اللفظ على معنى حقيقي آخر لا غرابة فيه ، وإما بحمله على التمثيل أو التخييل ، ونجد لذلك مثلا جليا واضحا في المجلس الثالث ج 1 ص 20 ، 22 حيث يقول ما نصه : قال اللّه تعالى « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ » « 1 » . وقد ظن بعض من لا بصيرة له ولا فطنة عنده ، أن تأويل هذه الآية : أن اللّه استخرج من ظهر آدم جميع ذريته وهم في خلق الذر ، فقررهم بمعرفته ، وأشهدهم على أنفسهم . وهذا التأويل مع أن العقل يبطله ويحيله ، مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه ، لأن اللّه تعالى قال « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ » ولم يقل من ظهره . وقال « ذريتهم » ولم يقل ذريته . ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا إنهم كانوا عن هذا غافلين . أو يتعذروا بشرك آبائهم ، وأنهم نشئوا على دينهم وسنتهم ، وهذا يقتضى أن الآية لم تتناول ولد آدم لصلبه ، وأنها تناولت من كان له آباء مشركون ، وهذا يدل على اختصاصها ببعض ولد آدم ، فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويله . فأما شهادة العقل ، فمن حيث لا تخلو هذه الذرية التي استخرجت من ظهر آدم فخوطبت وقررت من أن تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف ، أولا تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف ، فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال ، وما قرروا به واستشهدوا عليه ، لأن العاقل لا ينسى ما يجرى هذا المجرى وإن بعد العهد وطال الزمان ، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل ، فينسى مع بعد العهد جميع تصرفه المتقدم وسائر أحواله . وليس أيضا لتخلل الموت بين
--> ( 1 ) الآيتان ( 172 ، 173 ) من سورة الأعراف .