محمد حسين الذهبي
407
التفسير والمفسرون
إنما كان لهم فعله بإذنه وأمره ، وليس هذا مذهبكم . وإن حمل الإذن هنا على الإرادة ، اقتضى أن من لم يقع منه الإيمان لم يرده اللّه منه ، وهذا أيضا بخلاف قولكم . ثم جعل الرجس الذي هو العذاب على الذين لا يعقلون ، ومن كان فاقدا لعقله لا يكون مكلفا . فكيف يستحق العذاب . وهو بالضد من الخبر المروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أكثر أهل الجنة البله » ؟ . . . الجواب : يقال له في قوله تعالى إلا بإذن اللّه وجوه : منها أن يكون الإذن الأمر ، ويكون معنى الكلام أن الإيمان لا يقع إلا بعد أن يأذن اللّه فيه ويأمر به ، ولا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه ، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى : ( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) « 1 » ومعلوم أن معنى قوله ليس لها في هذه الآية ، هو ما ذكرناه ، وإن كان الأشبه في هذه الآية التي ذكر فيها الموت أن يكون المراد بالإذن العلم . . . ومنها أن يكون الإذن هو التوفيق ، والتيسير ، والتسهيل . ولا شبهة في أن اللّه يوفق لفعل الإيمان ويلطف فيه ، ويسهل السبيل إليه . . . ومنها أن يكون الإذن العلم ، من قولهم : أذنت لكذا وكذا ، إذا سمعته وعلمته . وأذنت فلانا بكذا إذا أعلمته ، فتكون فائدة الآية : الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات ؛ فإنه ممن لا نخفى عليه الخفيات . . . وقد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الإذن بكسر الألف وتسكين الذال عبارة عن العلم ، وزعم أن الذي هو العلم ، الأذن بالتحريك واستشهد بقول الشاعر : إن همى في سماع وأذن وليس الأمر على ما توهم هذا المتوهم ؛ لأن الأذن هو المصدر ، والإذن هو اسم الفعل ، فيجرى مجرى الحذر والحذر في أنه مصدر ، والحذر بالتسكين الاسم . على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الأذن بالتحريك لجاز التسكين مثل .
--> ( 1 ) في الآية ( 145 ) من سورة آل عمران .