محمد حسين الذهبي
393
التفسير والمفسرون
بل كان كل همه - كما نأخذ من عبارته السابقة ، وكما يظهر لنا من مسلكه في الكتاب نفسه - موجها إلى الفصل بين محكم الكتاب ومتشابهه ، وإلى بيان معاني هذه الآيات المتشابهة ، ثم إلى بيان خطأ فريق من الناس ، في تأويلها ، وهو يقصد بهذا الفريق - في الغالب - جماعة أهل السنة الذين لا يرون رأيه في القرآن ، ولا ينظرون إليه نظرته الاعتزالية . نقرأ هذا الكتاب ، فنجد أن مؤلفه قد ابتدأه بسورة الفاتحة ، واحتتمه بسورة الناس ، ولكنه لا يستقصى جميع السورة ، ولا يعرض لكل آياتها بالشرح كما قلنا ، بل نجده يبنى كتابه على مسائل ، كل مسألة تتضمن إشكالا وجوابا ، وهذا الإشكال تارة يرد على ظاهر النظم الكريم من ناحية الصناعة العربية ، وتارة يرد عليه من ناحية أنه لا يتفق مع عقيدته الاعتزالية . بعض مواقفه من مشكلات الصناعة العربية : أما المسائل التي أوردها مشتملة على مشكلات الصناعة العربية وأجوبتها ، فهي لا تخرج عما عرض له عامة المفسرين في تفاسيرهم ، وهذا الجانب يشمل جزءا غير قليل من الكتاب ، وإليك بعض هذه المسائل : فمثلا في سورة الحمد يقول في ص 4 ، 5 ما نصه : ( مسألة ) قالوا : الحمد للّه خبر ، فإن كان حمد نفسه فلا فائدة لنا فيه . وإن أمرنا بذلك ، فكان يجب أن يقول : قولوا الحمد للّه . وجوابنا عن ذلك : أن المراد به الأمر بالشكر والتعليم لكي نشكره ، لكنه وإن حذف الأمر فقد دل عليه بقوله « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » ؛ لأنه لا يليق باللّه تعالى ، وإنما يليق بالعباد ، فإذا كان معناه قولوا « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » فكذلك قوله « الْحَمْدُ لِلَّهِ » وهكذا كقوله « . . . وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ » « 1 » ، ومثله كثير في القرآن . ا ه .
--> ( 1 ) في الآيتين ( 23 و 24 ) من سورة الرعد .