محمد حسين الذهبي
384
التفسير والمفسرون
كذلك تمرد بعض أعلام المعتزلة كالنظام على الاعتقاد بوجود الجن ، وثار بعضهم كالزمخشرى ضد من يقول بأن الجن لها قوة التأثير في الإنسان مع الاعتراف منه بوجودها في نفسها ، فأولوا ما يصادمهم من الآيات القرآنية ، وأنكروا أو تأولوا ما صح من الأحاديث النبوية ، كالحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ، وفيه : أن شيطانا من الجن عرض للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو في الصلاة يريد أن يشغله عنها فأمكنه اللّه منه ، وكالحديث الصحيح الثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو « ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها » « 1 » . كذلك تمرد المعتزلة على الاعتقاد بكرامات الأولياء ، واعتمدوا في تمردهم هذا على قول اللّه تعالى في الآيتين ( 26 ، 27 ) من سورة الجن « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . . . » ونرى الزمخشري يستنتج من هذه الآية « أنه تعالى لا يطلع على الغيب إلا المرتضى ، الذي هو مصطفى للنبوة خاصة ، لا كل مرتضى ، وفي هذا إبطال للكرامات ، لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين ، فليسوا برسل ، وقد خص اللّه الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب ، وإبطال الكهانة والتنجيم ، لأن أصحابهما أبعد شئ من الارتضاء وأدخله في السخط » « 2 » . وبعد . . فإن المعتزلة لم يقفوا هذا الموقف الذي لا يتفق مع معتقدات أهل السنة ، ولم يعطوا العقل هذا السلطان الواسع في التفسير ، إلا من أجل أن يبعدوا - كما يزعمون - كل الأساطير الخرافية عن محيط الحقائق الدينية
--> والحق - ما دامت الأحاديث قد صحت - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سحر وأثر فيه السحر بما لا يخدش جانب نبوته وتأثير السحر عليه لا يعدو أن يكون مرضا بدنيا كالعقد عن النساء ( 1 ) الكشاف ج 1 ص 302 - 303 ( 2 ) الكشاف ج 2 ص 497 .