محمد حسين الذهبي

382

التفسير والمفسرون

وقالوا في قوله تعالى « وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » « 1 » إن اليد هاهنا النعمة ؛ لقول العرب : لي عند فلان يد ، أي نعمة ومعروف . وليس يجوز أن تكون اليد هاهنا النعمة ؛ لأنه قال « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ » « 1 » معارضة عما قالوه فيها ، ثم قال « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » « 1 » ولا يجوز أن يكون أراد غلت نعمهم بل نعمتاه مبسوطتان ؛ لأن النعم لا تغل ، ولأن المعروف لا يكنى عنه باليدين كما يكنى عنه باليد ، إلا أن يريد جنسين من المعروف فيقول : لي عنده يدان . ونعم اللّه تعالى أكثر من أن يحاط بها » « 4 » ا ه . تذرع المعتزلة بالفروض المجازية إذا بدا ظاهر القرآن غريبا : هذا ، وإن المعتزلة في كثير من الأحيان ، يعتمدون في طريقتهم التفسيرية على الفروض المجازية ، فمثلا إذا مروا بآية من الآيات التي تبدوا في ظاهرها غريبة مستبعدة ، كقوله تعالى في الآية ( 172 ) من سورة الأعراف « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . . الآية » وقوله في الآية ( 72 ) من سورة الأحزاب « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها . . الآية » نجدهم يحملون الكلام على التمثيل أو التخييل ، ولا يقولون بالظاهر ولا يحومون عليه ، اللهم إلا للرد على من يقول به ويجوز حصوله . . . نعم إن القرآن يمثل القمة العالية في كمال الأسلوب وبراعة النظم ، وهو في نفسه يقبل ما يقوله المعتزلة من المجازات والاستعارات ، ولكن ما الذي يمنع من إرادة الحقيقة ؟ ، وأي صارف يصرف اللفظ عن الظاهر إلى غيره من التمثيل أو التخييل بعد ما تقرر من أن اللفظ إذا أمكن حمله على الظاهر وجب حمله عليه وقبح صرفه إلى غير ما يتبادر منه ؟ ؟ . . . اللهم لا شئ يمنع من إرادة المعنى الظاهر إلا استبعاد ذلك على قدرة اللّه تعالى ، ولسنا في شك

--> ( 1 ) في الآية ( 64 ) من سورة المائدة . ( 4 ) تأويل مختلف الحديث ص 80 - 84