محمد حسين الذهبي

373

التفسير والمفسرون

إنكار المعتزلة لما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة : ثم إن هذا السلطان العقلي المطلق ، قد جر المعتزلة إلى إنكار ما صح من الأحاديث التي تناقض أسسهم وقواعدهم المذهبية ، كما أنه نقل التفسير الذي كان يعتمد أولا وقبل كل شئ على الشعور الحي ، والإحساس الدقيق ، والبساطة في الفهم وعدم التكلف والتعمق ، إلى مجموعة من القضايا العقلية ، والبراهين المنطقية ، مما يشهد للمعتزلة - رغم اعتزالهم - بقوة العقل وجودة التفكير . ومع أن هذا السلطان العقلي المطلق ، كان له الأثر الأكبر في تفسير المعتزلة للقرآن ، حتى اضطرهم في بعض الأحيان إلى رد ما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة ، فإنا لا نستطيع أن نقول إن المعتزلة كانوا يقصدون الخروج على الحديث أو عدم الاعتراف بالتفسير المأثور ؛ وذلك لأن حالهم بإزاء التفسير المأثور وتصديقهم له ، يظهر بأجلى وضوح من حكم النظام على استرسال المفسرين من معاصريه . وكان النظام معتبرا في مدرسة المعتزلة من الرؤوس الحرة الواسعة الحرية وقد ذكر لنا تلميذه الجاحظ قوله الذي قاله في شان هؤلاء المفسرين ، وهذا نصه : قال الجاحظ كان أبو إسحاق يقول : لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا في كل مسألة ؛ فإن كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير أساس وكلما كان المفسر أغرب عندهم كان أحب إليهم ، وليكن عندكم عكرمة ، والكلبي ، والسدى ، والضحاك ، ومقاتل بن سليمان ، وأبو بكر الأصم في سبيل واحدة ، وكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم وقد قالوا في قوله عز وجل « وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ « 1 » » إن اللّه عز وجل ، لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلى فيها ، بل إنما عنى الجباه ، وكل ما سجد الناس عليه من يد

--> ( 1 ) في الآية ( 18 ) من سورة الجن .