محمد حسين الذهبي

371

التفسير والمفسرون

وأما المنزلة بين المنزلتين : فقد سبق أن بيناها في مناظرة واصل بن عطاء للحسن البصري . وأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فهو مبدأ مقرر عندهم ، وواجب على المسلمين لنشر الدعوة الإسلامية وهداية الضالين وإرشاد الغاوين ، ولكنهم بالغوا في هذا الأصل ، وخالفوا ما عليه الجمهور ، فقالوا : إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يكون بالقلب إن كفى ، وباللسان إن لم يكف القلب ، وباليد إن لم يغنيا ، وبالسيف إن لم تكف اليد ، لقوله تعالى في الآية ( 9 ) من سورة الحجرات « وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ . . . » وهم في ذلك لا يفرقون بين صاحب السلطان وغيره ، كما أنهم لم يفرقوا بين الأصول الدينية المجمع عليها وعقائدهم الاعتزالية . « 1 » وهناك مبادئ أخرى للمعتزلة ، لا يشتركون فيها ، بل هي مبادئ خاصة لكل فرقة من فرقهم المتعددة ، التي بلغت العشرين أو تزيد ، ولا أطيل بذكر هذه الفرق وبيان خصائص كل فرقة ، وأحيلك على المواقف ، أو التبصير في الدين ، أو الفرق بين الفرق للبغدادي ، أو الملل والنحل للشهرستاني ، أو الفصل لابن حزم ، لتتعرف منها هذه الفرق وخصائصها ، إذ ليس هذا موضع التفصيل . وبعد . فقد عرفنا نشأة المعتزلة ، وعرفنا أصولهم التي أجمعوا عليها ، وما علينا بعد ذلك إلا أن نتكلم عن موقفهم الذي وقفوه من تفسير القرآن ، ثم

--> ( 1 ) انظر ما كتبه صاحب الكشاف على قوله تعالى في الآية ( 110 ) من سورة آل عمران « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » ج 1 ص 319 . وما كتبه على قوله تعالى في الآية ( 73 ) من سورة التوبة « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ . . . » ج 1 ص 561 .