محمد حسين الذهبي
33
التفسير والمفسرون
مما تواردت عليه اللغات ، وعلى كلا القولين فهذه الألفاظ لا تخرج القرآن عن كونه عربيا . استعمل القرآن في أسلوبه الحقيقة والمجاز والتصريح والكناية ، والإيجاز والإطناب ، على نمط العرب في كلامهم غير أن القرآن يعلو على غيره من الكلام العربي ، بمعانيه الرائعة التي افتن بها في غير مذاهبهم ، ونزع منها إلى غير فنونهم ، تحقيقا لإعجازه ، ولكونه من لدن حكيم عليم . فهم النبي والصحابة للقرآن : وكان طبيعيا أن يفهم النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن جملة وتفصيلا ، بعد أن تكفل اللّه تعالى له بالحفظ والبيان « إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه » « 1 » ، كما كان طبيعيا أن يفهم أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن في جملته ، أي بالنسبة لظاهره وأحكامه ، أما فهمه تفصيلا ، ومعرفة دقائق باطنه ، بحيث لا يغيب عنهم شاردة ولا واردة ، فهذا غير ميسور لهم بمجرد معرفتهم للغة القرآن ، بل لا بد لهم من البحث والنظر والرجوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يشكل عليهم فهمه ؛ وذلك لأن القرآن فيه المجمل ، والمشكل ، والمتشابه ، وغير ذلك مما لا بد في معرفته من أمور أخرى يرجع إليها . ولا أظن الحق مع ابن خلدون حيث يقول في مقدمته « إن القرآن نزل بلغة العرب ، وعلى أساليب بلاغتهم ، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه » ا ه « 2 » ، نعم لا أظن الحق معه في ذلك ، لأن نزول القرآن بلغة العرب لا يقتضى أن العرب كلهم كانوا يفهمونه في مفرداته وتراكيبه ،
--> ( 1 ) سورة القيامة . الآيات 17 ، 18 ، 19 ( 2 ) ص 489 .