محمد حسين الذهبي

328

التفسير والمفسرون

اللّه كان صوفيا كبيرا ، أفاض من روحه الصوفية الصافية على تفسيره ، فنراه لذلك يستطرد أثناء التفسير إلى كثير من المواعظ المبكيات والحكم الغاليات ، كما نراه في تأويله الإشارى يمثل الفلسفة التصوفية بأعلى أنواعها . ليس في تفسير النيسابوري ما يدل على تشيعه : وعلى كثرة ما قرأت في هذا التفسير لم أقع على نص منه يدل على تشيع مؤلفه ، وكل ما وقعت عليه ، أنه قال في خاتمة تفسيره ج 30 ص 228 « وإني أرجو فضل اللّه العظيم ، وأتوسل إليه بوجهه الكريم ، ثم بنبيه القرشي الأبطحى ووليه المعظم العلى . . . إلخ » وهذه الجملة الأخيرة ( ووليه المعظم العلى ) وإن كانت اعترافا منه بولاية على رضى اللّه عنه ، ليست دليلا قاطعا على تشيعه ، بل نجد النيسابوري على العكس من ذلك يعترف في نفس خاتمة تفسيره ج 30 ص 224 بأنه لم يمل في تفسيره إلا إلى مذهب أهل السنة والجماعة وإذا رجعت إلى تفسيره لقوله تعالى في الآيتين ( 54 ، 55 ) من سورة المائدة ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ . . . ) إلخ ج 6 ص 195 وما بعدها لوجدته يرد على الشيعة استدلالهم بهاتين الآيتين على ولاية على رضى اللّه عنه وأنه الخليفة بعد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وإن كان ما ذكره تلخيصا لما قال الفخر الرازي في تفسيره . وهنا - وبعد ما ذكرت - أرى لزاما على أن أذكر كلام النيسابوري الذي أوضح فيه مسلكه في تفسيره ومنهجه الذي انهجه فيه ، فإن صاحب البيت أعرف به وأدرى بما فيه . قال رحمه اللّه في مقدمة تفسيره ما نصه : ( وإذا وفقني اللّه تعالى لتحريك القلم في أكثر الفنون المنقولة والمعقولة - كما اشتهر بحمد اللّه تعالى ومنه فيما بين أهل الزمان - وكان علم التفسير من العلوم بمنزلة الإنسان من العين والعين من الإنسان ، وكان قد رزقني اللّه تعالى من إبان الصبا وعنفوان الشباب ، حفظ لفظ القرآن