محمد حسين الذهبي

303

التفسير والمفسرون

تصور مبانيه ، ولا يبلغ علمه إلى الإحاطة بما فيه ، فمن اعترض بمثله على كلامه كأنه ينصب الحبالة للعنقاء ، ويروم أن يقنص نسر السماء ؛ لأنه مالك زمام العلوم الدينية ، والفنون اليقينية ، على مذهب أهل السنة والجماعة ، وقد اعترفوا له قاطبة بالفضل المطلق ، وسلموا إليه قصب السبق ، فكان تفسيره يحتوى فنونا من العلم وعرة المسالك ، وأنواعا من القواعد المختلفة الطرائق ، وقل من برز في فن إلا وصده عن سواه وشغله ، والمرء عدو لما جهله ، فلا يصل إلى مرامه إلا من نظر إليه بعين فكره ، وأعمى عين هواه ، واستعبد نفسه في طاعة مولاه ، حتى يسلم من الغلط والزلل ، ويقتدر على رد السفسطة والجدل . وأما أكثر الأحاديث التي أوردها في أواخر السور ، فإنه لكونه ممن صفت مرآة قلبه ، وتعرض لنفحات ربه ، تسامح فيه ، وأعرض عن أسباب التجريح والتعديل ، ونحا نحو الترغيب والتأويل ، عالما بأنها مما فاه صاحبه بزور ، ودلى بغرور . ثم إن هذا الكتاب رزق من عند اللّه سبحانه وتعالى بحسن القبول عند جمهور الأفاضل والفحول ، فعكفوا عليه بالدرس والتحشية ، فمنهم من علق تعليقة على سورة منه ، ومنهم من حشى تحشية تامة ، ومنهم من كتب على بعض مواضع منه » « 1 » . . . . . ثم عد من هذه الحواشى ما يزيد عدده على الأربعين ، ولا أطيل بذكرها ، ومن شاء الاطلاع على ذلك فليرجع إليه في موضعه الذي أشرت إليه ، وحسبي أن أقول : إن أشهر هذه الحواشى وأكثرها تداولا ونفعا : حاشية قاضى زاده ، وحاشية الشهاب الخفاجي ، وحاشية القونوى . وجملة القول ، فالكتاب من أمهات كتب التفسير ، التي لا يستغنى عنها من

--> ( 1 ) كشف الظنون ج 1 ص 127 - 128 .