محمد حسين الذهبي
277
التفسير والمفسرون
المنهج الذي يجب على المفسر أن ينهجه في تفسيره علمنا مما سبق : أن المفسر برأيه لا بد أن يلم بكل العلوم التي هي وسائل لفهم كتاب اللّه ، وأدوات للكشف عن أسراره ، كما علمنا مما سبق أيضا : أن المفسر لا بد أن يطلب المعنى أولا من كتاب اللّه ، فإن لم يجده طلبه من السنة ، لأنها شارحة للقرآن وموضحة له ، فإن أعجزه ذلك رجع إلى أقوال الصحابة ؛ لأنهم أدرى بكتاب اللّه وأعلم بمعانيه ؛ لما اختصوا به من الفهم التام ، والعلم الصحيح ، والعمل الصالح ، ولاحتمال أن يكونوا سمعوه من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن عجز عن هذا كله ، ولم يظفر بشيء من تلك المراجع الأولى للتفسير ، فليس عليه بعد ذلك إلا أن يعمل عقله ، ويقدح فكره ، ويجتهد وسعه في الكشف عن مراد اللّه تعالى ، مستندا إلى الأصول التي تقدمت ، مبتعدا عن كل ما ذكرنا من الأمور التي تجعل المفسر في عداد المفسرين بالرأي المذموم ، وعليه بعد ذلك أن ينهج في تفسيره منهجا يراعى فيه القواعد الآتية ، بحيث لا يحيد عنها ، ولا يخرج عن نطاقها ، وهذه القواعد هي ما يأتي : أولا : مطابقة التفسير للمفسر ، من غير نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى ، ولا زيادة لا تليق بالغرض ولا تناسب المقام ، مع الاحتراز من كون التفسير فيه زيغ عن المعنى وعدول عن المراد . ثانيا : مراعاة المعنى الحقيقي والمعنى المجازى ؛ فلعل المراد المجازى ، فيحمل الكلام على الحقيقة أو العكس . ثالثا : مراعاة التأليف والغرض الذي سيق له الكلام ، والمؤاخاة بين المفردات . رابعا : مراعاة التناسب بين الآيات ، فيبين وجه المناسبة ، ويربط بين السابق واللاحق من آيات القرآن ، حتى يوضح أن القرآن لا تفكك فيه ، وإنما هو آيات متناسبة يأخذ بعضها بحجز بعض .