محمد حسين الذهبي

263

التفسير والمفسرون

معاني القرآن ، بل بين لهم بعض معانيه ، وبعضه الآخر توصلوا إلى معرفته بعقولهم واجتهادهم ، ولو كان القول بالرأي في القرآن محظورا لكانت الصحابة قد خالفت ووقعت فيما حرم اللّه ، ونحن نعيذ الصحابة من المخالفة والجرأة على محارم اللّه . رابعا : قالوا : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا لابن عباس رضى اللّه عنهما ، فقال في دعائه له « اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل » فلو كان التأويل مقصورا على السماع والنقل كالتنزيل ، لما كان هناك فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء ، فدل ذلك على أن التأويل الذي دعا به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عباس أمر آخر وراء النقل والسماع ، ذلك هو التفسير بالرأي والاجتهاد ، وهذا بين لا إشكال فيه . هذه هي أدلة الفريقين ، وكل يحاول بما ذكر من الأدلة أن يثبت قوله ويركز مدعاه . والغزالي - في الإحياء ، بعد الاحتجاج والاستدلال على بطلان القول بأن لا يتكلم أحذ في القرآن إلا بما يسمعه - يقول : « فبطل أن يشترط السماع في التأويل ، وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه وحد عقله » « 1 » كما قال قبل ذلك بقليل « إن في فهم معاني القرآن محالا رحبا ، ومتسعا بالغا ، وإن المنقول من طاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه » « 2 » . والراغب الأصفهاني - بعد أن ذكر المذهبين وأدلتهما في مقدمة التفسير - يقول « وذكر بعض المحققين : أن المذهبين هما الغلو والتقصير ، فمن اقتصر على المنقول إليه فقد ترك كثيرا مما يحتاج إليه ، ومن أجاز لكل أحد الخوض فيه فقد عرضه للتخليط ، ولم يعتبر حقيقة قوله تعالى « . . . ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب » ا ه « 3 » .

--> ( 1 ) الإحياء ج 3 ص 137 . ( 2 ) الإحياء ج 3 ص 136 . ( 3 ) مقدمة التفسير للراغب ص 423 .