محمد حسين الذهبي

257

التفسير والمفسرون

وقد رد المجيزون هذا الدليل فقالوا : نمنع الصغرى . لأن الظن نوع من العلم ، إذ هو إدراك الطرف الراجح . وعلى فرض تسليم الصغرى فإنا نمنع الكبرى ، لأن الظن منهى عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقيني القطعي ، بأن يوجد نص قاطع من نصوص الشرع ، أو دليل عقلي موصل لذلك . أما إذا لم يوجد شئ من ذلك ، فالظن كاف هنا ، لاستناده إلى دليل قطعي من اللّه سبحانه وتعالى على صحة العمل به إذ ذاك . كقوله تعالى : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » « 1 » وقوله عليه الصلاة والسلام : « جعل اللّه للمصيب أجرين وللمخطئ واحدا » ولقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فبم تحكم ؟ قال : بكتاب اللّه ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول اللّه ، قال : فإن لم تجد ؟ قال اجتهد رأيي ، فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في صدره وقال : الحمد للّه الذي وفق رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه » . ثانيا : استدلوا بقوله تعالى : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ « 2 » » فقد أضاف البيان إليه ، فعلم أنه ليس لغيره شئ من البيان لمعاني القرآن . وأجاب المجيزون عن هذا الدليل فقالوا : نعم إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم مأمور بالبيان ، ولكنه مات ولم يبين كل شئ فما ورد بيانه عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ففيه الكفاية عن فكرة من بعده ، وما لم يرد عنه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده ، فيستدلون بما ورد بيانه على ما لم يرد ، واللّه تعالى يقول في آخر الآية « وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » . ثالثا : استدلوا بما ورد في السنة من تحريم القول في القرآن بالرأي فمن ذلك : 1 - ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضى اللّه عنهما عن النبي صلّى اللّه

--> ( 1 ) في الآية 286 من سورة البقرة . ( 2 ) في الآية 44 من سورة النحل .