محمد حسين الذهبي
240
التفسير والمفسرون
تفسير له قيمته العالية بين كتب التفسير وعند جميع المفسرين ، وذلك راجع إلى أن مؤلفه أضفى عليه من روحه العلمية الفياضة ما أكسبه دقة ، ورواجا ، وقبولا . وقد لخصه مؤلفه - كما يقول ابن خلدون في مقدمته - من كتب التفاسير كلها - أي تفاسير المنقول - وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها ، ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس ، حسن المنحى » ا ه « 1 » . والحق أن ابن عطية أحسن في هذا التفسير وأبدع ، حتى طار صيته كل مطار ، وصار أصدق شاهد لمؤلفه بإمامته في العربية وغيرها من النواحي العلمية المختلفة ومع هذه الشهرة الواسعة لهذا الكتاب فإنه لا يزال مخطوطا إلى اليوم ، وهو يقع في عشر مجلدات كبار ، ويوجد منه في دار الكتب المصرية أربعة أجزاء فقط : الجزء الثالث ، والخامس ، والثامن ، والعاشر . وقد رجعت إلى هذه الأجزاء وقرأت منها ما شاء اللّه أن أقرأ ، فوجدت المؤلف يذكر الآية ثم يفسرها بعبارة عذبة سهلة ، ويورد من التفسير المأثور ويختار منه في غير إكثار ، وينقل عن ابن جرير الطبري كثيرا ، ويناقش المنقول عنه أحيانا ، كما يناقش ما ينقله عن غير ابن جرير ويرد عليه . وهو كثير الاستشهاد بالشعر العربي ، معنى بالشواهد الأدبية للعبارات ، كما أنه يحتكم إلى اللغة العربية عندما يوجه بعض المعاني ، وهو كثير الاهتمام بالصناعة النحوية ، كما أنه يتعرض كثيرا للقراءات وينزل عليها المعاني المختلفة . ونجد أبا حيان في مقدمة تفسيره يعقد مقارنة بين تفسير ابن عطية وتفسير الزمخشري فيقول « وكتاب ابن عطية أنقل ، وأجمع ، وأخلص ، وكتاب الزمخشري ألخص ، وأغوص » « 2 » . ونجد ابن تيمية يعقد مقارنة بين الكتابين - كتاب ابن عطية وكتاب
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 491 . ( 2 ) تفسير البحر المحيط ج 1 ص 10 .