محمد حسين الذهبي

183

التفسير والمفسرون

وأن يمسك عما لا طائل تحته مما يعد صارفا عن القرآن ، وشاغلا عن التدبر في حكمه وأحكامه ، وبدهى أن هذا أحكم وأسلم . هذا ، وقد يشير إلى ما قلناه من جواز نقل الخلاف عن المتقدمين على شريطة استيفاء الأقوال وتزييف الزائف منها وتصحيح الصحيح ، وأن من الخير ان يمسك الإنسان عن الخوض فيما لا طائل تحته ، ما جاء في الآية ( 22 ) من سورة الكهف من قوله تعالى « سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً » ، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة - كما يقول ابن تيمية - على الأدب في هذا المقام ، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا ، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف القولين الأولين ، وسكت عن الثالث ، فدل على صحته ، إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما ، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته ، فيقال في مثل هذا ( قل ربى أعلم بعدتهم ) فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه اللّه عليه ، فلهذا قال ( فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ) أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ، ولا تسألهم عن ذلك ؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب « 1 » . أقطاب الروايات الإسرائيلية يتصفح الإنسان كتب التفسير بالمأثور . فلا يلبث أن يلحظ أن غالب ما يرى فيها من إسرائيليات ، يكاد يدور على أربعة أشخاص ، هم : عبد اللّه ابن سلام ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وهؤلاء الأربعة اختلفت أنظار الناس في الحكم عليهم والثقة بهم ، فمنهم من ارتفع بهم عن حد التهمة ، ومنهم من رماهم بالكذب وعدم التثبت في الرواية

--> ( 1 ) مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير ص 27 .