محمد حسين الذهبي
180
التفسير والمفسرون
وهذا القسم غالبه مما ليس فيه فائدة تعود إلى أمر ديني ؛ ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا اختلافا كثيرا . ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك ، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف ، ولون كلبهم ، وعصا موسى من أي الشجر كانت ، وأسماء الطيور التي أحياها اللّه لإبراهيم ، وتعيين بعض البقرة الذي ضرب به قتيل بني إسرائيل ، ونوع الشجرة التي كلم اللّه منها موسى . . إلى غير ذلك مما أبهمه اللّه في القرآن ولا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم أو دينهم . ثم إذا جاء شئ من هذا القبيل - أعنى ما سكت عنه الشرع ولم يكن فيه ما يؤيده أو يفنده - عن أحد من الصحابة « 1 » بطريق صحيح ، فإن كان قد جزم به فهو كالقسم الأول ، يقبل ولا يرد ؛ لأنه لا يعقل أن يكون قد أخذه عن أهل الكتاب بعد ما علم من نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن تصديقهم . وإن كان لم يجزم به فالنفس أسكن إلى قبوله ؛ لأن احتمال أن يكون الصحابي قد سمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو ممن سمعه منه ، أقوى من احتمال السماع من أهل الكتاب ، ولا سيما بعد ما تقرر من أن أخذ الصحابة عن أهل الكتاب كان قليلا بالنسبة لغيرهم من التابعين ومن يليهم . أما إن جاء شئ من هذا عن بعض التابعين ، فهو مما يتوقف فيه ولا يحكم عليه بصدق ولا بكذب ؛ وذلك لقوة احتمال السماع من أهل الكتاب ؛ لما عرفوا به من كثرة الأخذ عنهم ، وبعد احتمال كونه مما سمع من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا إذا لم يتفق أهل الرواية من علماء التفسير على ذلك ، أما إن اتفقوا عليه ، فإنه يكون أبعد من أن يكون مسموعا من أهل الكتاب ، وحينئذ تسكن النفس إلى قبوله والأخذ به . واللّه أعلم . « 2 »
--> ( 1 ) ومرادنا من الصحابي ، الصحابي الذي لم يكن قبل اسلامه من أهل الكتاب . ( 2 ) انظر مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير ص 13 - 14 وص 26 - 27