محمد حسين الذهبي

172

التفسير والمفسرون

قال الحافظ بن حجر في الفتح « 1 » عند شرحه لهذا الحديث : وقال الشافعي : من المعلوم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب ، فالمعنى : حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه ، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم . وهو نظير قوله : إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم : ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه » ا ه وأما الحديث الثاني ، فيراد منه التوقف فيما يحدث به أهل الكتاب ، مما يكون محتملا للصدق والكذب ، لأنه ربما كان صدقا فيكذبونه ، أو كذبا فيصدقونه ، فيقعون بذلك في الحرج . أما ما خالف شرعنا فنحن في حل من تكذيبه ، وأما ما وافقه فنحن في حل من تصديقه . قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم » أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا ، لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه ، أو كذبا فتصدقوه ، فتقعوا في الحرج . ولم يرد النهى عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه . نبه على ذلك الشافعي رحمه اللّه « . . . . ثم قال : وعلى هذا نحمل ما جاء عن السلف من ذلك « 2 » . وأما ما أخرجه الإمام أحمد ، وابن أبي شيبة ، والبزار ، من حديث جابر ابن عبد اللّه « أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب ، فقرأه عليه فغضب فقال : أمتهوكون « 3 » فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده ، لقد جئتكم بها بيضاء نقية . لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده ، لو أن موسى

--> ( 1 ) ج 6 ص 320 . ( 2 ) فتح الباري ج 8 ص 120 ( 3 ) المتهوك . المتحير .