محمد حسين الذهبي

155

التفسير والمفسرون

اللون الشخصي للتفسير المأثور من المعلوم أن الشخص الذي يفسر نصا من النصوص ، يلون هذا النص بتفسير إياه ؛ لأن المتفهم لعبارة من العبارات ، هو الذي يحدد معناها ومرماها وفق مستواه الفكري ، وعلى سعة أفقه العقلي ، وليس في استطاعته أن يفهم من النص إلا ما يرمى إليه فكره ، ويمتد إليه عقله ، وبمقدار هذا يتحكم في النص ويحدد بيانه ، وهذا أصل ملحوظ ، نجد آثاره واضحة في كتب التفسير على اختلافها ، فما من كتاب منها إلا وقد وجدنا آثار شخصية صاحبه وقد طبعت تفسيره بطابع خاص لا يعسر علينا إدراكه . . . غير أن هذا الطابع الشخصي الذي يطبع به التفسير ، إن ظهر لنا جليا واضحا في كتب التفسير بالرأي ، فإنا لا نكاد نجده لأول وهلة على هذا النحو من الوضوح والجلاء بالنسبة لكتب التفسير بالمأثور ، ولكن نستطيع أن نتبينه إذا ما قدرنا أن المتصدى لهذا التفسير النقلي إنما يجمع حول الآية من المرويات ما يشعر أنها متجهة إليه ، متعلقة به ، فيقصد إلى ما يتبادر لذهنه من معناها ، ثم تدفعه الفكرة العامة فيها إلى أن يصل بين الآية وما يروى حولها في اطمئنان ، وبهذا الاطمئنان ، يتأثر نفسيا وعقليا ، حينما يقبل مرويا ويعنى به ، أو يرفض مرويا حين لا يرتاح إليه . وكذلك راج بين المتقدمين - كما لاحظه ابن خلدون في مقدمته - ما هم في شوق إليه وتعلق به ، من أسباب المكونات ، وبدء الخليقة ، وأسرار الوجود ، وتفصيل الأحداث الكبرى في تاريخ الإنسانية الأولى ، نظرا لبداوتهم وأميتهم ، وقلة المتداول بينهم منه ، فكان من وراء ذلك كثرة الإسرائيليات ، وليس من شك في أن هذا صورة عقلية ، وطابع شخصي لهذا العصر الأول « 1 » ، كما أنه صورة عقلية ، وطابع شخصي لكل من يقبل هذه الإسرائيليات « ويفسر بعض آيات القرآن على ضوئها .

--> ( 1 ) انظر التفسير - معالم حياته - منهجه اليوم ص 28 .