محمد حسين الذهبي
148
التفسير والمفسرون
وصاحب البدع ، ليس له قصد إلا أن يؤول كلام اللّه وينزله على مذهبه الفاسد ، وذلك كالرمانى ، والجبائي ، والقاضي عبد الجبار ، والزمخشري من المعتزلة . والطبرسي ، وملا محسن الكاشي من الإمامية الاثني عشرية . وأصحاب التصوف قصدوا إلى ناحية الترغيب والترهيب ، واستخراج المعاني الإشارية من الآيات القرآنية بما يتفق مع مشاربهم ، ويتناسب مع رياضاتهم ومواجيدهم ، ومن هؤلاء ابن عربى ، وأبو عبد الرحمن السلمى . . . وهكذا فسر كل صاحب فن أو مذهب بما يتناسب مع فنه أو يشهد لمذهبه ، وقد استمرت هذه النزعة العلمية العقلية وراجت في بعض العصور رواجا عظيما ، كما راجت في عصرنا الحاضر تفسيرات يريد أهلها من ورائها أن يحملوا آيات القرآن كل العلوم ، ما ظهر منها وما لم يظهر ، كأن هذا فيما يبدو وجه من وجوه إعجاز القرآن وصلاحيته لأن يتمشى مع الزمن . وفي الحق أن هذا غلو منهم ، وإسراف يخرج القرآن عن مقصده الذي نزل من أجله ، ويحيد به عن هدفه الذي يرمى إليه . وسوف نتكلم على ذاك بتوسع عند الكلام عن التفسير العلمي إن شاء اللّه تعالى . ثم إن هذا الطغيان العقلي العلمي ، لم يطغ على التفسير بالمأثور الطغيان الذي يجعله في عداد ما درس وذهب ، بل وجد من العلماء في عصور مختلفة ، من استطاع أن يقاوم تيار هذا الطغيان ، ففسر القرآن تفسيرا نقليا بحتا ، على توسع منهم في النقل ، وعدم تفرقة بين ما صح وما لم يصح ، كما فعل السيوطي في كتابه الدر المنثور . التفسير الموضوعي : وكذلك وجد من العلماء من ضيق دائرة البحث في التفسير ؛ فتكلم عن ناحية واحدة من نواحيه المتشعبة المتعددة ، فابن القيم - مثلا - أفرد كتابا