محمد حسين الذهبي
126
التفسير والمفسرون
قلما تجد من تقدمه ، أما المثل فلعل . وقال معمر : سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله تعالى « وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ » « 1 » فلم يجبني ، فقلت : سمعت قتادة يقول : مطيقين ، فسكت ، فقلت له : ما تقول يا أبا عمرو ؟ فقال : حسبك قتادة ، ولولا كلامه في القدر - وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا ذكر القدر فأمسكوا - ما عدلت به أحدا من أهل دهره « 2 » » وهذا يدل على أن أبا عمرو كان يثق بعلم قتادة وبتفسيره للقرآن ، لولا ما ينسب إليه من الخوض في القضاء والقدر . وكثيرا ما تحرج بعض الرواة من الرواية عنه لذلك ، ونجد أصحاب الصحاح يخرجون له ، ويحتجون بروايته ، ويكفينا هذا في تعديله وتوثيقه : قال أبو حاتم : أثبت أصحاب أنس : الزهري ، ثم قتادة ، وقال ابن سعد : كان ثقة مأمونا حجة في الحديث ؛ وكان يقول بشيء من القدر . وقال ابن حبان في الثقات : كان من علماء الناس بالقرآن والفقه ، ومن حفاظ أهل زمانه . وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة ، وعمره إذ ذاك ست وخمسون سنة على المشهور « 3 » وبعد . . . فهؤلاء هم مشاهير المفسرين من التابعين ، وغالب أقوالهم في التفسير تلقوها عن الصحابة ، وبعض منها رجعوا فيه إلى أهل الكتاب ، وما وراء ذلك فمحض اجتهاد لهم ، ولا شك أنهم كانوا على مبلغ عظيم من العلم ودقة الفهم ، لقرب عهدهم من عهد النبوة ، واتصال ما بين العهدين بعهد الصحابة ، ولعدم فساد سليقتهم العربية ، الفساد الذي شاع فيما بعد ؛ حتى بلغ إلى درجة الهجنة والمزيج اللغوي .
--> ( 1 ) في الآية ( 13 ) من سورة الزخرف . ( 2 ) وفيات الأعيان ج 2 ص 179 ( 3 ) انظر تهذيب التهذيب ج 8 ص 351 - 356