محمد حسين الذهبي
100
التفسير والمفسرون
وقد روت لنا كتب التفسير كثيرا من أقوال هؤلاء التابعين في التفسير ، قالوها بطريق الرأي والاجتهاد ، ولم يصل إلى علمهم شئ فيها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو عن أحد من الصحابة . وقد قلنا فيما سبق : إن ما نقل عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعن الصحابة من التفسير لم يتناول جميع آيات القرآن ، وإنما فسروا ما غمض فهمه على معاصريهم ، ثم تزايد هذا الغموض - على تدرج - كلما بعد الناس عن عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم والصحابة ، فاحتاج المشتغلون بالتفسير من التابعين إلى أن يكملوا بعض هذا النقص ، فزادوا في التفسير بمقدار ما زاد من غموض ، ثم جاء من بعدهم فأتموا تفسير القرآن تباعا ، معتمدين على ما عرفوه من لغة العرب ومناحيهم في القول ، وعلى ما صح لديهم من الأحداث التي حدثت في عصر نزول القرآن ، وغير هذا من أدوات الفهم ووسائل البحث . مدارس التفسير في عصر التابعين : فتح اللّه على المسلمين كثيرا من بلاد العالم في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي عهود الخلفاء من بعده ، ولم يستقروا جميعا في بلد واحد من بلاد المسلمين ، بل نأى الكثير منهم عن المدينة مشرق النور الإسلامي ثم استقر بهم النوى ، موزعين على جميع البلاد التي دخلها الإسلام ، وكان منهم الولاة ، ومنهم الوزراء ، ومنهم القضاة ، ومنهم المعلمون ، ومنهم غير ذلك . وقد حمل هؤلاء معهم إلى هذه البلاد التي رحلوا إليها ، ما وعوه من العلم ، وما حفظوه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجلس إليهم كثير من التابعين يأخذون العلم عنهم ، وينقلونه لمن بعدهم ، فقامت في هذه الأمصار المختلفة مدارس علمية ، أساتذتها الصحابة ، وتلاميذها التابعون . واشتهر بعض هذه المدارس بالتفسير ، وتتلمذ فيها كثير من التابعين لمشاهير المفسرين من الصحابة ، فقامت مدرسة للتفسير بمكة ، وأخرى بالمدينة