احسان الامين
54
التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية
ثمّ - لغرض ما - قام الذهبي بسرد مفصّل لآراء فرق الغلاة المنقرضة والمتقاطعة مع الشيعة ؛ كالسبئية والمغيرية والمنصورية والخطابية والعبيدية ، ورغم اعترافه بأنّ هذه الطوائف قد باد معظمها « 1 » ، إلّا أنّه لم يفته أن يدسّ في الوسط رأيه ، والذي يكشف به عن نيّاته ، فيقول : « فأنت ترى أنّ هؤلاء الغلاة الذين كفروا بما يعتقدون ، يجدون في صرف اللّفظ القرآني عن معناه الذي سيق له إلى معنى يتّفق مع عقيدتهم ويتناسب مع أهوائهم ونزعاتهم . . . كذلك نجد الإماميّة الاثني عشريّة يميلون بالقرآن نحو عقائدهم ويلوونه حسب أهوائهم ومذاهبهم . . . » « 2 » . وقد سبق أن تعرّفنا على نماذج من التفسير المذهبي الذي يقصده ، ومنه تنزيه اللّه تعالى عن الجسميّة والرؤية . . . جدير ذكره أنّ اسم الشيعة يطلق اليوم على الإمامية ، وهي ثاني الطوائف الاسلامية في العالم ، وعددهم يقارب المائتي مليون ، ولا يشمل بأي حال فرق الغلاة ، على أنّ الغلاة ظهروا في مختلف طوائف المسلمين ، وهذا ما أكّده ابن حزم ، الذي قال : « وقد تسمّى باسم الاسلام من أجمع جميع فرق الاسلام على أنّه ليس مسلما ، مثل طوائف من الخوارج غلوا . . . وطوائف من المرجئة . . . وآخرون كانوا من أهل السنّة . . . وطوائف كانوا من الشيعة . . . » « 3 » . وقد ذكر الشهرستاني في معرض حديثه عن الفرق الغالية ، عددا من غلاة أهل السنّة القائلين بالتناسخ والتشبيه والتجسيم . 3 - كذلك نسب الذهبي إلى الشيعة القول بالتفويض ، وأنّهم يرون أنّ اللّه يفوّض تعيين بعض الأمور إلى رأي النبيّ ورأي الإمام ، مثل الزيادة في عدد الركعات .
--> ( 1 ) - التفسير والمفسّرون / ج 2 / ص 24 . ( 2 ) - م . ن / ص 18 . ( 3 ) - الغلوّ والفرق الغالية في الحضارة الاسلامية / د . عبد السلام سلّوم السامرّائي / ص 82 .