احسان الامين
463
التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية
حكم وعبر لا تختصّ بزمان دون زمان ، ولامكان دون غيره ، فإن شأن النزول وموارده لا يحدد الآيات ويختصها به لأنّ « للقرآن اتّساعا من حيث انطباقه على المصاديق وبيان حالها ، فالآية منه لا تختصّ بمورد نزولها بل تجري في كل مورد يتّحد مع مورد النزول ملاكا كالأمثال لا تختص بموردها الأوّل ، بل تتعداها إلى ما يناسبها » « 1 » . وقد سمّى الطباطبائي هذا المعنى بجري القرآن ، وهو اصطلاح مأخوذ من قول أئمة أهل البيت ( ع ) ، كما ورد في الحديث عن الباقر ( ع ) إذ سأله الفضيل بن يسار عن هذه الرواية : ما في القرآن آية إلّا ولها ظهر وبطن ، وما فيها من حرف إلّا وله حد ، ولكل حد مطلع ، ما يعني بقوله : ظهر وبطن ؟ قال : « ظهره تنزيله وبطنه تأويله ، منه ما مضى ، ومنه ما لم يكن بعد ، يجري كما يجري الشمس والقمر ، كلّما جاء منه شيء وقع » « 2 » . فالآية لا تتحدّد بمورد نزولها ، وإنّما هي كالأمثال تنطبق على ما يشابهها من موارد ، قال الطباطبائي : « وفي هذا المعنى روايات أخر ، وهذه سليقة أئمة أهل البيت ، فإنّهم ( ع ) يطبقون الآية من القرآن على ما يقبل أن ينطبق عليه من الموارد وإن كان خارجا عن مورد النزول ، والاعتبار يساعده ، فإنّ القرآن نزل هدى للعالمين يهديهم إلى واجب الاعتقاد وواجب الخلق وواجب العمل ، وما بيّنه من المعارف النظرية حقائق لا تختصّ بحال دون حال ولا زمان دون زمان ، وما ذكره من فضيلة أو رذيلة أو شرّعه من حكم عملي لا يتقيّد بفرد دون فرد ولا عصر دون عصر لعموم التشريع » « 3 » . وأكّد الطباطبائي مرّة أخرى أنّ شأن النزول لا يوجب قصر الحكم على الواقعة لينقضي الحكم بانقضائها ويموت بموتها ؛ لأنّ البيان عام والتعليل مطلق ، وكان من أبرز مصاديق ذلك ما ورد في القرآن من مدح أو ذم في حق أفراد معينين ، فإنّ هذا المدح أو الذم معلل بوجود صفات فيهم ، ولا يمكن قصرها على شخص مورد النزول ،
--> ( 1 ) - الميزان / ج 3 / ص 78 . ( 2 ) - الرواية من تفسير العياشي . ( 3 ) - الميزان / ج 1 / ص 44 .