احسان الامين

427

التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية

القراءة والحجّة فيها ، ثمّ مباحث اللّغة في شرح الكلمات وبيان معانيها واستعمالها وإعراب الآيات بما له دخل في وضوح معانيها وتفسيرها ممّا هو معلوم في مسائل إعراب القرآن . بعد ذلك يدخل المفسّر إلى بيان معنى الآيات ، فينظر في السياق القرآني ليربط الآيات بما سبقها ، إن وجد ارتباط ، وما في الآية من إشارات عامّة ، ثمّ يدخل في بيان الآيات استنادا إلى الأقوال المذكورة في الآية ، ناسبا إيّاها إلى مصادرها رواية أو خبرا أو رأيا لأحد المفسّرين ، فإذا كانت الأقوال يتكامل بعضها مع بعض أو أنّها تعطي وجوها مختلفة ومحتملة في آن واحد ، فقد يتركها دون ترجيح ، وإذا كان بين الآراء تناف أو كانت لديه الحجّة وقوي الدليل لأحدها أو بعضها دون البعض الآخر ، عرض رأيه ورجّح ما رجح لديه مع بيان الدليل بأجلى صورة وأقوى بيان . وقد يستفيد من السياق القرآني والمعنى اللّغوي الظاهر لديه رأيا دون سائر الآراء التي يرجّحها لتعارضها مع السياق أو عدم نهوض الدليل عليها ، فيعرض رأيه مناقشا بقيّة الآراء بأسلوب علمي هادئ وأدب رفيع ، وهو ما ميّز تفسيره عن الكثير من غيره من التفاسير التي لا تخلو من نقد وتجريح . وممّا سبق ، فإنّ قارئ التفسير يجد في تسلسل المواضيع - قراءة ولغة ونحوا ومعنى - صورة واضحة ومتناسقة للمعاني القرآنية ، فالقراءة تهيّئ لمعرفة السياق وارتباط الجمل ، واللّغة ترسم أبعاد الكلمة ومحتملات المعاني ممّا تقرّب الانسان من صورة الكلمات وآفاق البيانات ، وتعطيه أفقا للسياحة في فضاء الآيات ، وإعراب الآيات يحدّد بدقّة مواقع الأحكام ويخصّص الأفعال بفواعلها ومفاعيلها ، وتلك جميعا تهيّئ القارئ بعد لدراسة المعاني المحتملة للآيات ، وتضعه في موضع مكين يستطيع من خلاله تذوّق البيانات القرآنية وتبصّر معانيها والتأمّل في آفاقها . وباختصار فإنّ التفسير جمع الجمال في النّظم مع الكمال في الرأي ، واليسر في العرض مع القوّة في الاستدلال ، فكان حقّا « نسيج وحده بين كتب التفسير » « 1 » .

--> ( 1 ) - من مقدّمة الشيخ محمود شلتوت ، والتي أشرنا لها سابقا .