محمد حمد زغلول

32

التفسير بالرأي

فالمتأمل في هاتين الروايتين يدرك دون عناء الفارق الزمني الكبير بين نزول الآيتين ففي الرواية الأولى نزلت الآية في غزوة أحد أي في العام الثالث للهجرة ، أما المرة الثانية التي نزلت فيها الآية فكانت يوم فتح مكة في العام الثامن للهجرة ، إذا فبين المرتين خمس سنين ، ولهذا يمكن القول بتعدد نزولها مرة يوم أحد ، ومرّة يوم فتح مكة ، وقد يكون لهذه الآيات سبب ثالث نزلت فيه حسب من يقول إن سورة النحل كلها مكية ، إنما الراجح في ذلك أن سورة النحل مكية ما عدا الآيات الثلاث الأخيرة منها فمدنية ، وعليه فيكون لها سببان للنزول وهما الحادثتان المذكورتان آنفا . رابعا - تعدد النازل والسبب واحد : وعلى عكس ما سبق تماما قد يكون هناك أمر واحد سببا لنزول آيتين أو آيات متعددة ، ولا مانع من ذلك ، لأنه لا ينافي الحكمة في إقناع الناس وهداية الخلق وبيان الحق عند الحاجة ، بل إن تكرر نزول الآية مرتين أو أكثر في حادثة واحدة قد يكون أبلغ في الإقناع وأوضح في البيان « 1 » . ومن أمثلة السبب الواحد تنزل فيه آيتان ، ما أخرجه ابن جرير الطبري « 2 » عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم جالسا في ظل شجرة فقال : إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاء فلا تكلموه ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق العينين ، فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق

--> ( 1 ) الإتقان 1 / 97 - مناهل 1 / 114 - انظر مباحث في علوم القرآن ص 64 . ( 2 ) - تفسير الطبري 6 / 185 .