محمد حمد زغلول
29
التفسير بالرأي
فهاتان الروايتان مختلفتان زمانا ومكانا فالخبر الأول يدل على أنها نزلت بالمدينة لأن اليهود هم الذين سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا يوجد في مكة يهود - ونسأل اللّه ألا يصلوا إليها ما دامت السماوات والأرض - والخبر الثاني أنها نزلت بمكة لأن السائلين من قريش . والخبر الأول أرجح من وجهين ، الأول هو أن البخاري أخرجه في صحيحه الذي هو باتفاق العلماء أصح وأصدق كتاب على وجه المعمورة بعد القرآن الكريم ، والثاني أن رواية ابن مسعود رضى اللّه عنه تفيد أنه كان مشاهدا القصة « كنت أمشي مع النبي وهو يتوكأ على عسيب » وهذا يفيد المشاهدة بخلاف رواية ابن عباس رضى اللّه عنهما . ومما لا شك فيه أن للمشاهدة قوة الاستيثاق بما لا تتوفر لغير المشاهد ، ومع أن العلماء لم يضعّفوا سند ابن عباس بل قالوا بصحته إلا أن هناك بعض القرائن كقرينة المشاهدة عند ابن مسعود ، وكذلك كون سورة الإسراء التي منها الآية الكريمة المذكورة سورة مكية . كل هذا يجعلنا نرجح الرواية الأولى ونعمل بها ونهمل الرواية الثانية . الصورة الثالثة : ما تساوت فيه الروايتان من الصحة ولا مرجح لأحدهما ، ويمكن الجمع بينهما ، بأن كلا من السببين قد حصل ، ونزلت الآية عقب حصول السببين لتقارب زمانهما « 1 » . وحكم هذه الصورة ان نحمل الأمر على تعدد السبب لأنه الظاهر ، ولا يمنع مانع من تعدد السبب ، ومثاله ما أخرجه البخاري « 2 » عن
--> ( 1 ) - الاتقان 1 / 94 - مناهل العرفان 1 / 11 . ( 2 ) - البخاري كتاب التفسير 8 / 499 رقم 4747 .