محمد حمد زغلول

217

التفسير بالرأي

ومن أمثلة إشارة النص الخفية التي يحتاج إدراكها إلى دقة الفهم وزيادة التأمل قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] مع قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [ لقمان : 14 ] فيفهم من الآيتين بطريق عبارة النص حكم الوصية بالوالدين وبيان فضل الأم وما تعانيه من الآلام في الحمل والإرضاع ، وكذلك يفهم منهما بطريق إشارة النص أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، لأن الآية الأولى قدّرت مدة الحمل والفصال بثلاثين شهرا ، والآية الثانية قدّرت الفصال بعامين ، فيلزم من ذلك أن الباقي من الثلاثين وهو ستة أشهر أقل مدة الحمل « 1 » . وفي قوله تعالى : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [ البقرة : 236 ] فقد دلت الآية بعبارة النص على جواز الطلاق قبل الدخول وقبل فرص المهر ، وهذا الحكم هو المقصود من السياق أصالة . ودلت إشارة النص على صحة العقد على المرأة من غير تسمية المهر وتقديره ، لأن الطلاق لا يكون إلا بعد عقد صحيح « 2 » . وفي ضوء ما ذكر حول نوعي دلالة الإشارة وهما الظاهرة التي يمكن ادراكها بأدنى تأمل ، والخفيّة التي تحتاج إلى دقة في التأمل ، لا بد من القول إنه لإدراك هذه الدلالات لا بدّ من مزيد من التمرس بألفاظ القرآن الكريم ومدلولات اللغة العربية ، ويمكن القول كذلك إنه لا بد من ملكة تضيء السبيل في هذا المضمار ، ولهذا تتفاوت

--> ( 1 ) - انظر أصول الفقه الإسلامي د . زكي شعبان ص 371 . ( 2 ) - انظر أصول التفسير وقواعده ص 365 .