سيد قطب

5

التصوير الفني في القرآن

إليك يا أماه ، أرفع هذا الكتاب . لطالما تسمّعت من وراء « الشيش » في القرية ، للقراء يرتلون في دارنا القرآن ، طوال شهر رمضان . وأنا معك - أحاول أن ألغو كالأطفال - فتردني منك إشارة حازمة ، وهمسة حاسمة ؛ فأنصت معك إلى الترتيل ، وتشرب نفسي موسيقاه . وإن لم أفهم بعد معناه . وحينما نشأت بين يديك ، بعثت بي إلى المدرسة الأولية في القرية ، وأولى أمانيك أن يفتح اللّه عليّ ، فأحفظ القرآن ، وأن يرزقني الصوت الرّحيم ، فأرتّله لك كل آن . ثم عدلت بي عن هذا الطريق في النهاية إلى الطريق الجديد الذي أسلكه الآن ؛ بعد ما تحقق لك شطر من أمانيك ، فحفظت القرآن ! ولقد رحلت عنا - يا أماه - وآخر صورك الشاخصة في خيالي ، جلستك في الدار أمام المذياع . تستمعين للترتيل الجميل ؛ ويبدو في قسمات وجهك النبيل أنك تدركين - بقلبك الكبير ، وحسّك البصير - مراميه وخفاياه . فإليك يا أماه . ثمرة توجيهك الطويل . لطفلك الصغير . ولفتاك الكبير . ولئن كان قد فاته جمال الترتيل ، فعسى ألا يكون قد فاته جمال التأويل . واللّه يرعاك عنده ويرعاه . سيد