جلال الدين السيوطي
71
التحبير في علم التفسير
قال ابن جريج في حكمة البسملة : إنهما سورتان في مصحف بعض الصّحابة وروى محمد بن نصر عن أبيّ بن كعب أنه كان يقنت بالسّورتين فذكرهما . وروى الطّبراني في الدعاء من طريق عبّاد بن يعقوب الأسدي عن يحيي بن يعلى الأسلمي عن ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن عبد اللّه بن زرير الغافقي قال : قال لي عبد الملك بن مروان : لقد علمت ما حملك على حبّ أبي تراب إلّا أنك أعرابيّ جاف فقلت : واللّه لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك ولقد علّمني منه علي بن أبي طالب سورتين علّمهما إياه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما علمتهما أنت ولا أبوك فذكرهما . وروى أبو داود في المراسيل بسند رجاله موثقون لكنه مرسل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بينا هو يدعو على نفر في الصّلاة إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت ثم قال : يا محمّد إن اللّه لم يبعثك لعّانا ولا سبّابا ولم يبعثك عذابا وإنما بعثك رحمة لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [ ( 3 ) آل عمران : 128 ] ثم علّمه القنوت فذكرهما . وقال أبو عبيد : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سيرين قال : كتب أبيّ ابن كعب في مصحفه : فاتحة الكتاب والمعوذتين واللهمّ إنا نستعينك ، واللهمّ إياك نعبد وتركهنّ ابن مسعود ، وكتب عثمان منهن : فاتحة الكتاب والمعوذتين . وهذا الذي نسبه إلى ابن مسعود قد روي عنه من طريق أخرى ، فروى البزّار من طريق حسّان بن إبراهيم عن الصلت بن بهرام عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول : إنما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتعوذ بهما وكان عبد اللّه لا يقرأ بهما . ورواه أيضا ابن حبّان في صحيحه ، وأجاب ابن قتيبة في مشكل القرآن عن هذا بأنه ظن أنهما ليستا من القرآن لأنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعوّذ بهما الحسن والحسين فأقام على ظنه ، ولا نقول إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار . قال : وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن معاذ اللّه ، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشّكّ والنّسيان والزّيادة والنّقصان ، ورأى أن ذلك مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلّمها على كلّ أحد . وقال النّووي : لا يصح إسقاط المعوّذتين عن ابن مسعود لأن قراءة بعض السبعة من طريقه وفيها المعوّذتان .