جلال الدين السيوطي

67

التحبير في علم التفسير

ونعني بموافقة أحد المصاحف : ما كان ثابتا في بعضها دون بعض كقراءة بن عامر : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ ( 2 ) البقرة : 116 ] ، في البقرة بغير واو ، وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ [ ( 3 ) آل عمران : 184 ] ، بالباء فيهما فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي ، وكقراءة ابن كثير : ( تجري من تحتها الأنهار ) [ ( 9 ) التوبة : 100 ] ، في آخر براءة بزيادة « من » فإنه ثابت في المصحف المكي ونحو ذلك ، فإن لم تكن في شيء من المصاحف العثمانية فشاذة لمخالفتها الرّسم المجمع عليه . وقولنا : ولو احتمالا ، لا نعني به : ما وافقه ولو تقديرا كملك يوم الدّين فإنه كتب في الجميع بلا ألف ، فقراءة الحذف توافقه تحقيقا ، وقراءة الألف توافقه تقديرا لحذفها في الخطّ اختصارا ، كما كتب ( ملك الملك ) [ ( 3 ) آل عمران : 26 ] ، وقد يوافق اختلاف القراءات الرّسم تحقيقا نحو : ( تعملون ) بالتاء والياء ، و يَغْفِرْ لَكُمْ بالياء والنون ونحو ذلك مما يدلّ تجرّده عن النّقط والشكل في حذفه وإثباته على فضل عظيم للصّحابة في علم الهجاء خاصة وفهم ثاقب في تحقيق كلّ علم . وانظر كيف كتبوا : الصِّراطَ بالصّاد المبدلة من السّين ، وعدلوا عن السّين التي هي الأصل ليكون قراءة السّين وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان ، وتكون قراءة الإشمام محتملة ، ولو كتب ذلك بالسّين على الأصل لفات ذلك وعدّت قراءة غير السّين مخالفة للرّسم والأصل ، ولذلك اختلف في رسم بَصْطَةً [ ( 7 ) الأعراف : 69 ] ، دون بَسْطَةً [ ( 2 ) البقرة : 247 ] ، لكون حرف البقرة كتب بالسّين والأعراف بالصّاد ، على أن مخالف صريح الرّسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعدّ مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة ، ولذا لم يعدّوا إثبات ياء الزّوائد ، وحذف تاء فَلا تَسْئَلْنِي [ ( 13 ) الكهف : 70 ] وواو : وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ ( 63 ) المنافقون : 10 ] والظّاء من : بِضَنِينٍ [ ( 81 ) التكوير : 24 ] ونحوه من مخالفة الرّسم المردودة ، فإن الخلاف في ذلك مغتفر إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتمشّيه صحة القراءة وشهرتها وتلقّيها بالقبول زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتّى ولو كانت حرفا واحدا من حروف المعاني فإنّ حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرّسم فيه ، وهذا هو الحدّ الفاصل في حقيقة اتّباع الرّسم ومخالفته . قال : وقولنا : وصحّ سندها ، يعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضّابط عن مثله كذا حتّى تنتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن غير معدودة عندهم من الغلط أو ممّا شذّ بها بعضهم قال : وقد شرط بعض المتأخّرين التّواتر في هذا الركن ولم يكتف