جلال الدين السيوطي

50

التحبير في علم التفسير

وروى أبو عبيد قال : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : أن أول ما نزل بمكة من القرآن : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ، ون ، والقلم . وحجّة الثّاني ما في الصّحيحين عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : سألت جابر بن عبد اللّه : أيّ القرآن أنزل قبل ؟ قال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قلت : أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ؟ قال : أحدّثكم بما حدثنا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّي جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ، ثم نظرت إلى السّماء فإذا هو - يعني جبريل - فأخذتني رجفة فأتيت خديجة فأمرتهم فدثّروني » فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وأجاب الأول بما في الصحيحين أيضا عن أبي سلمة عن جابر : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يحدّث عن فترة الوحي فقال في حديثه « فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السّماء فرفعت رأسي فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السّماء والأرض فرجعت فقلت : زمّلوني زمّلوني فدثّروني فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . فقوله : الملك الّذي جاءني بحراء دالّ على أن هذه القصّة متأخّرة عن قصة حراء التي نزل فيها : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . قال البلقيني : ويجمع بين الحديثين بأن السؤال كان عن نزول بقيّة : اقْرَأْ والمدّثّر ، فأجابه بما تقدم . وحجّة الثّالث : ولم يذكره البلقيني ما رواه البيهقي في الدلائل عن أبي ميسرة عمرو ابن شرحبيل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لخديجة : « إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء » فذكر الحديث وفيه : فأتى ورقة بن نوفل فقصّ عليه فقال له : إذا أتاك فاثبت له حتّى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه : يا محمّد قل : بسم اللّه الرّحمن الرحيم . الحمد للّه ربّ العالمين . حتى بلغ : ولا الضّالين ، فأتى ورقة بن نوفل فذكر ذلك له فقال له : أبشر الحديث . قال البيهقي : هذا منقطع وإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقْرَأْ والمدّثّر . قلت : وإن صح أخذ منه أنها من أوائل ما نزل كما لا يخفى . قال البلقيني : وأول سورة نزلت بالمدينة : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ في قول عليّ بن الحسين ، وقال عكرمة : بل البقرة ، وكلاهما مرسل بلا إسناد . قلت : أما مرسل فصحيح ، وأما بلا إسناد فقد تقدم مسندا عن عكرمة والحسن أن أوّل ما نزل بها : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ثم البقرة ، بل وعن ابن عباس فانتفى الإرسال أيضا .