جلال الدين السيوطي

36

التحبير في علم التفسير

وقد توافقت الأقوال التي حكيناها على أن سورة يونس مكّية ، وفيها أيضا قولان ، فروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من طريق خصيف عن مجاهد عن عبد اللّه بن الزبير أنها مكية ، وروي مثله من طريق عطاء وغيره عن ابن عباس ثم روي من طريق عطاء عنه أنها أنزلت بالمدينة واللّه تعالى أعلم . وقد ظهر لي بالنظر في الأدلة النقلية ما يرجّح بعض الأقوال في السور المختلف فيها فمن ذلك : الحديد ، فالمختار أنها مكّية ، ففي مسند البزار وغيره عن عمر قال : كنت أشدّ الناس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر الحديث في إسلام أخته ومجيئه لها مغضبا وجلوسه في بيتها على السرير قال : فإذا عليه صحيفة فقلت : ما هذه الصحيفة ؟ فقالت : دع هذا فإنه لا يمسّه إلّا المطهّرون ، وأنت لا تطهر من الجنابة ، قال : فما زلت بها حتى ناولتني إياها فإذا فيها : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم . سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حتى بلغ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ . الحديث . وإسلام عمر قديما قبل الهجرة بدهر مديد . وروى الحاكم عن ابن مسعود قال : ما كان بين إسلامهم وبين نزول هذه الآية يعاتبهم اللّه بها إلّا أربع سنين وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [ ( 57 ) الحديد : 10 ] . فظاهره أنه قبل الهجرة بست سنين أو أكثر على الخلاف في مدة إقامته صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة بعد البعثة ، ومن ذلك : الكوثر والمختار أنها مدنية لحديث أنس في نزولها الآتي في النومي ، وأنس لم يكن بمكة وإنما كان بالمدينة . ومن ذلك الصّف ، والمختار أنها مدنية أيضا لحديث عبد اللّه بن سلام في نزولها الآتي أيضا وهو إنما كان بالمدينة . ومن ذلك : المعوّذتان والمختار أنهما مدنيتان ، وأما الفاتحة فالمختار فيها قول الجمهور ، ولكن روى الطبراني في الأوسط قال : حدّثنا عبيد بن غنّام حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن مجاهد عن أبي هريرة أن إبليس رنّ حين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة . هذا إسناد رجاله رجال الصحيح ، وقد كان خطر لي في القدح فيه أن الجملة الأخيرة منه مدرجة في الحديث وليست منه ، ثم رأيت أبا عبيد أخرجها من قول مجاهد فقال : حدّثنا عبد الرحمن بن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة ، وأخرجها عنه أيضا الفريابي في تفسيره ، وأخرج مقاتل في تفسيره الجملة الأولى عنه أيضا فصار علة للحديث المرفوع . ضابط : روى البيهقي في الدلائل والبزّار في مسنده من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه قال : ما كان : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنزل بالمدينة ، وما