جلال الدين السيوطي

25

التحبير في علم التفسير

بسم اللّه الرحمن الرّحيم مقدمة الكتاب اللّه أحمد على أن خصّني من نعمه بالمزيد ، وقرّب لي من أسباب الخير ما هو على كثير من عباده بعيد ، وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ذو الفضل المديد ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله المخصوص بالتأييد ، صلّى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الرأي السديد وسلّم . أما بعد : فإن العلوم وإن كثر عددها ، وانتشر في الخافقين مددها فغايتها بحر قعره لا يدرك ، ونهايتها طود شامخ لا يستطاع إلى ذروته أن يسلك ولهذا يفتح لعالم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب . وإن ممّا أهمل المتقدمون تدوينه حتى تحلّى في آخر الزّمان بأحسن زينة علم التفسير الذي هو كمصطلح الحديث فلم يدوّنه أحد لا في القديم ولا في الحديث ، حتى جاء شيخ الإسلام علامة العصر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني فعمل فيه كتابه « مواقع العلوم في مواقع النّجوم » فنقّحه وهذّبه وقسّم أنواعه ورتّبه ، ولم يسبق إلى هذه الرتبة ، فإنه جعله نيّفا وخمسين نوعا منقسمة إلى ستة أقسام ، وتكلّم في كل نوع منها بالمتين من الكلام ليكن كما قال الإمام أبو السعادات ابن الأثير في مقدمة نهايته : إن كلّ مبتدئ بشيء لم يسبق إليه ومبتدع أمرا لم يتقدّم فيه عليه فإنه يكون قليلا ثم يكثر ، وصغيرا ثم يكبر ، فظهر لي استخراج أنواع لم يسبق إليها ، وزيادة مهمّات لم يستوف الكلام عليها ، فجرّدت الهمّة إلى وضع كتاب في هذا العلم أجمع فيه إن شاء اللّه شوارده ، وأضمّ إليه فوائده ، وأنظم في سلكه فرائده ؛ لأكون في إيجاد هذا العلم ثاني اثنين ، وواحدا في جمع الشّتيت منه كألف أو ألفين ، ومصير فنّي التفسير والحديث في استكمال التقاسيم إلفين ، وإذا برز زهر كمامه وفاح وطلع بدر كماله ولاح وآذن فجره بالصّباح ، ونادى داعيه بالفلاح سمّيته : بالتّحبير في علم التّفسير ، ومن اللّه الاستمداد ، وبه التّوفيق لطرق السّداد ، لا ربّ غيره ، ولا مرجوّ إلّا خيره وهذه فهرست الأنواع بعد المقدّمة :