جلال الدين السيوطي
127
التحبير في علم التفسير
نجابته ما لم يخش عليه الإعجاب - ويعنّف من قصّر تعنيفا لطيفا ما لم يخش تنفيره ، ويقدّم في تعليمهم السّابق فالسّابق ، ولا يمكّنه من إيثاره بنوبته إلّا لمصلحة شرعيّة ، فإنّ الإيثار في القرب مكروه ، ويتفقّد أحوالهم ، ويسأل عن غائبهم ، ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النّيّة ، ويصون يديه حال الإقراء عن العبث وعينيه وأذنيه عن النّظر والسّمع لغير القارئ ، ويقعد متطهّرا مستقبل القبلة في ثياب بيض نظيفة ، وإذا وصل لموضع جلوسه صلّى ركعتين ، فإن كان مسجدا تأكّد ، وليكن مجلسه حسنا واسعا ، ولا يذلّ العلم فيذهب إلى موضع ينسب إلى من يتعلّم منه فيعلّمه فيه ولو كان خليفة فمن دونه . وعلى المتعلّم أن يجتنب الأسباب الشّاغلة عن العلم إلّا ما لا بدّ منه ويطهّر قلبه ويتواضع لمعلّمه وإن كان أصغر سنا منه أو أقلّ شهرة ، وينقاد له ويقبل قوله كالمريض مع الطّبيب النّاصح الحاذق . ولا يتعلّم إلّا ممّن تأهّل وظهر دينه وصيانته ، فالعلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم . وينظر إلى معلّمه بعين الاحترام والتّعظيم ، ولا يدخل عليه بلا إذن إلّا إن كان بموضع لا يحتاج إلى استئذان ، ويسلّم على الحاضرين ، ويخصّه بزيادة تودّد ، ويسلّم عند انصرافه أيضا ، ولا يتخطى النّاس ، ويجلس حيث انتهى به المجلس إلّا أن يأذن له الشّيخ في التّقدّم ، ولا يقيم أحدا ويجلس موضعه ، ولا يجلس وسط الحلقة ، ولا بين صاحبين بغير إذنهما ، ولا يغمز بعينه عند الشّيخ ، ولا يقول له : قال فلان بخلاف قولك ، ولا يغتاب عنده أحدا ، ولا يلحّ عليه إذا كسل ، ولا يشبع من طول صحبته ، ويردّ غيبة شيخه إذا قدر ، ولا يفارق ذلك المجلس ، ويتأدّب مع رفقائه ، ولا يحسد أحدا منهم ، ولا يعجب بما حصّله ، ولا يرفع صوته بلا حاجة عند الشّيخ ، ولا يضحك ، ولا يكثر الكلام ، ولا يعبث بيده ، ولا يلتفت بلا حاجة ، بل يتوجّه إلى الشّيخ ، ولا يقرأ على الشّيخ في حال ملله ، ويحتمل جفوة الشّيخ وسوء خلقه ، وإذا جفاه ابتدأ هو بالاعتذار وإظهار الذّنب له ، وإذا صدر من الشّيخ أفعال ظاهرها منكر أوّلها ولا ينكرها . وممّا يشترك فيه القارئ والمقرئ : الحذر من اتّخاذ القرآن معيشة يتكسّب بها ، نعم يجوز عند الشّافعي ومالك أخذ الأجرة على تعليمه ، وملازمة التّلاوة ، والإكثار منها ، ونسيانه كبيرة ، وإذا أراد القراءة استاك وتوضّأ ، فإن قرأ محدثا جاز بلا كراهة . ويحرم مسّ المصحف والقراءة على الجنب والحائض ، ويجوز لهما النّظر في المصحف ، وإمرار القرآن على قلبيهما ، ويسنّ أن يقرأ في مكان نظيف ، ولا يكره في الحمّام عندنا ، ولا في الطّريق ، ويستقبل القبلة ، ويجلس بخشوع وسكينة وحضور قلب ،