السعيد شنوقة
99
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
واختلف علماء الكلام في أول واجب على المكلف . قال الإيجي بأنه : « معرفة الله تعالى إذ هو أصل المعارف الدينية ، وعليه يتفرع وجوب كل واجب . وقيل : هو النظر فيها لأنه واجب وهو قبلها . وقيل : أول فرض من النظر . وقال القاضي واختاره ابن فورك : القصد إلى النظر » « 1 » . فبالنظر تحصل معرفة الله عز وجل ، فالنظر واجب وهو قبل المعرفة ، ويذهب إلى هذا المعتزلة . أما القول : « أول جزء من النظر » ؛ فلأنّ وجوب الكل يستلزم وجوب أجزائه ، وهذا معناه أن أول جزء من النظر واجب وهو متقدم على النظر المتقدم بدوره على المعرفة . غير أن القصد يسبق أول أجزاء النظر . وبهذا فأول جزء من النظر إنما هو القصد إلى النظر « 2 » . وقيل : هو الشك ؛ لأن وجوب النظر والمعرفة والقصد إليها مقيدة بالشك « 3 » الذي يسبق على إرادة النظر . ثم ذكر الإيجي أن النزاع حول أول الواجبات - النظر أو المعرفة - لفظي ، لأن أول الواجبات المقصودة بالذات إنما هي المعرفة . أما إذا أريد أول الواجبات مطلقا فإنه القصد إلى النظر لأنه مقدمة للنظر الواجب مطلقا « 4 » . وقد دافع أبو حنيفة ( ت 125 ه ) قبل الإيجي على النظر ورآه ضروريا ثم ما لبث أن تراجع عن علم الكلام ، وعدل عنه إلى الفقه بل ذكر بعض الدارسين بأنه لا يعارض الجدل في نطاق الحاجة وقدر الضرورة في إطاره وأما غيره فمردود منه « 5 » ، فهو يوجب النظر « 6 » والاستدلال في معرفة الله سبحانه وصفاته باعتبارها
--> ( 1 ) المواقف في علم الكلام ، ص 32 . ( 2 ) م ن ، ص 32 . ( 3 ) المراد بالشك القلق والحيرة وهو الشك الإرادي المنهجي الداعي إلى الشروع في البحث للتحقيق من جبلة الأمر أو طبيعة وإزالة الشك في أمور العقيدة . انظر د . حسن محمود عبد اللطيف ، من قضايا المنهج في علم الكلام ، بحث منشور في مجلة دراسات عربية عدد رقم 1 ، ص ، 26 والشك مدعاة لليقين عند القاضي عبد الجبار في الإنسانيات والطبيعيات والأخلاقيات لأن العقل بفطرته قادر على التمييز بين الغث والسمين . وانظر ( المغني ج 12 ، ص 319 ) ( وجولد زيهر : مقال : موقف أهل السنة القدماء من علم الأوائل ص 132 ( عن مجلة القاهرة الأعداد ( 173 ، 174 ، 175 ) ، 1997 م ، ص 53 . ( 4 ) المواقف في علم الكلام ، ص 32 . ( 5 ) انظر د . علي الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية . مدخل ودراسة ، ص 336 ، 337 . ( 6 ) يقصد أبو حنيفة النظر والاستدلال الواجبين على كل واحد بحسب ما يتيسّر له . فالنظر في الكون وما -