السعيد شنوقة
89
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
إليه غيلان الدمشقي « 1 » ( ت 105 ه ) وردّ على مقاتل بن سليمان الذي أثبت الصفات حيث جعله هذا الإثبات في زمرة « المشبّهة » فقال جهم مقابل الاختيار والتشبيه على الترتيب بالجبر ونفي الصفات ، وهذا يجعل رأيه غير عقلي لقوله بالجبر ، وغير نصّي لقوله : بالتعطيل أو نفي الصفات الإلهية « 2 » . وهو اعتقاد لقى جفاء النصيّين والعقليين على السواء من أمة الإسلام . ولما ظهرت المعتزلة أخذت بأقوال الجهمية في الرؤية والصفات وخلق القرآن فسماهم أهل السنة « الجهمية » « 3 » غير أن المعتزلة أفصحوا عن تبرّئهم من هذا الاسم لجبرية جهم بن صفوان وأتباعه . وما يدل على هذا التنصّل والتنكر قول الخياط المعتزلي ( ت 300 ه ) في رده على ابن الراوندي : « وما إضافة صاحب الكتاب لجهم إلى المعتزلة إلا كإضافة العامة لجهم إلى المعتزلة لقوله بخلق القرآن ولجهم عند المعتزلة في سوء الحال والخروج من الإسلام كهشام بن الحكم » « 4 » . ونريد أن نتساءل هنا ونحن في سياق الجبر والاختيار : هل كان ما ذهب إليه جهم في « الجبر » يتناغم في المدلول مع الذي دعا إليه بنو أمية بقصد تبرير سمات حكمهم وتكريس وجود دولتهم ؟ وهل يصحّ القول : إن خلفية « الجبر اضطرّته خلفية الانتقاص السائدة يومئذ عند الناس من السيطرة الإلهية المطلقة في الذي رأوه غلوّا ومبالغة لدى القائلين بالاختيار ، فحملهم ذلك إلى الدعوة بالجبر والمناداة به ؟ نعتقد أن الموقفين يعكسان ظاهرتين فكريتين طبيعيّين تظهران المناخ الإسلامي الأصيل .
--> ( 1 ) هو أبو مروان غيلان بن مسلم الدمشقي ، تنسب إليه فرقة « الغيلانية » أخذ القول في القدر عن معبد الجهني ( ت 80 ه ) وقيل بعدها . وقيل : إنه تاب عن القول بالقدر على يد عمر بن العزيز ثم عاود القول به بعده ، وطلبه هشام بن عبد الملك لمناظرة الأوزاعي ، فأفتى الأوزاعي بقتله فصلب . انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 19 هامش 1 . والشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 40 هامش رقم 3 . ( 2 ) انظر : د . عبد الحليم محمود ، التفكير الفلسفي ، ص 150 . ( 3 ) يطلق بعض الدارسين « الجهمية » على الذين ظهروا قبل المعتزلة لكن الباحثين التالين لهم يطلقون هذا التلقيب ويقصدون به « المعتزلة » ، انظر زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 6 . ود . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية - مدخل ودراسة ، ص 190 . وكذا زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 16 . ( 4 ) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ، ص 188 .