السعيد شنوقة
8
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
والنهل من الثقافات الأجنبية الوافدة عليها نتيجة احتكاك العرب بالفرس وبالهنود واليونان ، والتقاء النصرانية واليهودية والمجوسية والإسلام . ولما كانت البصرة في هذا المستوى من الإنشاء الفكري صارت بيئتها مهيأة لأن يلتمس فيها النظر العقلي ، وتظهر فيها علوم تقتضي حياة متطورة ، فتلاقت فيها العقليات المختلفة والمذاهب الدينية والفلسفية التي أثرت تأثيرا عميقا في دراستها وفي بحوثها وفي مناهجها . ونتيجة هذه التحولات خطا علماء التفسير من طور الاعتماد على النقل عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم والأخذ عن الصحابة أو بفهم ما تمليه اللغة ويلزم به التعبير وروح الشريعة إلى طور الاجتهاد والاعتماد على العقل ؛ وذلك ليبيّنوا ما اعتقدوه مما له صلة بالتفسير المأثور . واستنباط الأحكام وانصرافا لا مبرر له عن فهم كثير مما يتضمنه القرآن الكريم . وهكذا رأوا الحديث الذي ينهى عن التفسير بالرأي على فرض صحته - إنما يقصد الرأي الذي لا يعتمد على أصل ثابت ولا يستند إلى جوهر الشريعة . كان ذلك سببا في اجتهاد علماء كثيرين في تفسير القرآن الكريم معتمدين على آرائهم حيث شعروا باستكمالهم العدة التي يشترط توفرها لذلك . فأخذ التفسير في هذا القرن - وهو القرن الثالث على وجه الخصوص - يصطبغ بالوجهة الثقافية لهؤلاء المفسرين ويتأثر باتجاهتهم ؛ فراح اللغويون يعنون بالمسائل اللغوية كأبي عبيدة معمر بن المثنى ( ت 211 ه ) ، وقطرب المستنير ( ت 206 ه ) ، وغيرهما . واهتم النحاة بتخريج مسائل النحو وإعراب القرآن بما يساعد على تفسيره كالزجاج ( ت 311 ه ) وغيره . أما الفقهاء فقد عنوا بآيات الأحكام ، وألفوا فيها كتبا كأحكام القرآن للشافعي ( ت 204 ه ) ، وهو أول كتاب صنف في هذا الباب . وتتابعت المؤلفات في هذا المجال عبر القرون اللاحقة . واستعمل المشتغلون بالعلوم العقلية الآراء الفلسفية والتجريد العقلي في تفسير بعض آيات القرآن الكريم . أما علماء الكلام فقد أولوا آيات كثيرة دعما لأصولهم المذهبية ، فجاء اجتهادهم أو تأويلهم مستجيبا لمعتقدهم مشفوعا بالأهواء لأنهم ذهبوا بالتفسير بعيدا ، واشتطوا في الإعراب ببعض المسائل وتجاوزوا أصول النحو وقواعد الإعراب فوقعوا في التعسف والتمحل .