السعيد شنوقة
67
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
أولا : عوامل ظهور المعتزلة 1 - فك النزاع بين المسلمين : لا تنشأ الظواهر الفكرية في المجتمعات البشرية من فراغ ، وإنما تمتد جذورها في عمق البيئة التي نشأت فيها . إنها ظواهر يمكن أن تنشأ كذلك مما تفرزه التفاعلات الثقافية والفكرية التي تعكس في الغالب مواقف فكرية تنجرّ عن التقلّبات الاجتماعية والسياسية لهذه البيئة . وليس لنا أن نتصور الفرق الكلامية بصفتها ظواهر فكرية بارزة خارج هذا الإطار وبخاصة فرقة المعتزلة ، لأن نشوءها ونموها ونضجها كانت داخل هذه البيئة العامة للبصرة التي كانت تمثل مع الكوفة « 1 » نموذج المدن الراقية ، جمعت كنوز المدائن وحضارة بابل والحيرة ، وهما المدينتان اللتان تركزت فيهما مدنية العراق في زمن الأمويين حتى صار لفظ العراق معناه البصرة والكوفة ، وهكذا تهيأت هذه البيئة لأن تجمع أجناسا وثقافات مختلفة وصراعات فكرية قوية أنتجت تقلبات سياسية متواصلة شهدتها في زمن الفتوحات لكونها كانت تشكل مع الكوفة مركزا للجيوش الإسلامية ، وعرفتها إثر مقتل عثمان ، وفي يوم الجمل ، وإثر التحكيم بين أتباع الإمام علي وأصحاب معاوية « 2 » . لا شك في أن هذه المعطيات تمثل خضما أنتج تحولات عميقة ما فتئت تنمو وتنضج لتنشأ عنها صحوة فكرية وتطلعات جريئة ومواقف تفصح برأيها في كثير من القضايا على أساس النظر العقلي لأنها إفرازات هذا الجوّ المشحون الذي تميّز بالجدال والمناظرة منذ أواخر القرن الأول الهجريّ وبداية القرن الثاني في كثير من الأماكن والأقاليم ، وساعد على ذلك ركود الفتوحات واستقرار الأمصار المفتوحة واكتشاف ثقافتها المتنوعة وما صادف من مشكلات اجتماعية وثقافية وسياسية
--> ( 1 ) انظر أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص 180 . ( 2 ) انظر د . مهدي المخزومي ، مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو ، دار الرائد العربي ، بيروت ، ط 3 ، 1986 م ، ص 12 ، 13 .