السعيد شنوقة

424

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

على عصيانه لعلمه تعالى بأن العاصي يختار الكفر ويصمم عليه بينما يلطف بمن يشاء ويثيبه على طاعته لعلمه بأنه يختار الإيمان « 1 » وذلك في قوله عز وجل : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ النحل : 93 ] فبيّن المعنى : « أنه بنى الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق اللطف والخذلان والثواب والعقاب » « 2 » . غير أن أهل السنة عدّوا المشيئة مشيئة اختيار ، يختار فيها الإنسان مما ابتلاه الله عز وجل من الأوامر والنواهي ما يسّر له مع أن الله سبحانه لو أراد لجعلهم على اختيار واحد . بيد أنه فرّقهم سعداء وأشقياء ، وخلق الهدى والضلال ، وتوعّد بالسؤال عن الأعمال « 3 » . والأشاعرة يرون بأن الله تعالى خلق العالم بجواهره وأعراضه وخيره وشره لا لعلة وغرض وبأنه لم يبعثه باعث على الفعل والخلق لأنه لا علة لفعل الله تعالى عندهم سواء كانت العلة مقدرة بنفع الخلق أو غير نافعة مستدلين بأن : « الدواعي المزعجات والخواطر والأغراض إنما تجوز على ذي الحاجة الذي يصح منه اجتلاب المنافع ودفع المضار ، وذلك أمر لا يجوز إلا على من جازت عليه الآلام ، واللذات وميل الطبع والنفور ، وكل ذي دليل على حدث من يوصف به وحاجته إليه ، وهو منتف على القديم تعالى » « 4 » . فهو جل شأنه يفعل ما يفعله بلا سبب ولا غاية ، ومصدر مفعولاته محض مشيئته ، وغايتها مطابقتها لعلمه وإرادته « 5 » . والغالب على أصحاب المذاهب الأربعة عند الكلام في الفقه وغيره التعليل غير أن بعضهم صرح به ، أما بعضهم الآخر فمنعه لكن جمهور أهل السنة أثبت الحكمة والتعليل في الأفعال والأحكام « 6 » . أما الذين يلحدون في أوصافه فيجحدونها ثم يزعمون أنه لا يشمل قدرته المخلوقات بل هي مقسومة بينه وبين عباده ، « ويوجبون عليه

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 426 . ( 2 ) م ن ، ج 2 ، ص ، 426 وج 1 ، ص 132 . ( 3 ) انظر أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 6 ، ص 599 . ( 4 ) الباقلاني ، كتاب التمهيد ، ص 30 . ( 5 ) انظر الآمدي ( ت 631 ه ) ، غاية المرام في علم الكلام ، ص ، 224 وابن قيم الجوزية ( ت 751 ه ) ، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ، ص ، 215 والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ، ج 4 ، ص 1547 . ( 6 ) انظر ابن تيمية ، منهاج السنة النبوية ، ج 1 ، ص 455 .