السعيد شنوقة

419

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وللعقل دور كبير في تفسير المصنف ؛ فهو من أدوات خدمة أصول مذهبه ، ويظهر ذلك في تفسير الآية : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [ النحل : 36 ] « قال : ولقد أمد إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا ، وقد بعث فيهم رسولا يأمر بالخير الذي هو الإيمان ، وعبادة الله ، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت ، فمنهم من هدى الله أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ أي ثبت عليه الخذلان والشرك من اللطف لأنه عرفه مصمما على الكفر ، لا يأتي منه خير فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ما فعلت بالمكذّبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أنّي لا أقدر الشر ولا أشاؤه حيث أفعل ما أفعل بالأشرار » « 1 » . ومما أثبت فيه دور العقل لينتصر فيه للاعتزال مبينا بأنه يستحيل أن يكلف الله تعالى الإنسان ما لا يطيق لأنه ظلم وجور قوله عند الآية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] : « العدل هو الواجب لأن الله تعالى عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم تحت طاقتهم » « 2 » ، ومما استدل به وفق هذا المنهج إقرارا لعدل الله ، وبأنه لا يكلف العبد إلا في نطاق وسعه وما يتيسر له ما قاله عند الآية : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] : « أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر له دون مدى الطاقة والمجهود ، وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [ البقرة : 185 ] لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس ، ويصوم أكثر من الشهر ، ويحج أكثر من حجة » « 3 » . وجاء من هذا المعنى عند الآية : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ الأنعام : 152 ] « إلا ما يسعها ولا تعجز عنه ، وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 409 . ( 2 ) م ن ، ج 2 ، ص 424 . ( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 408 .