السعيد شنوقة
388
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
والإساءة » « 1 » . غير أن أهل السنة رأوا بأن معنى النشأة الأخرى أصله قدرته وإرادته « 2 » . فقد روى الحاكم وغيره أنّ أبي بن خلف جاء بعظم ففتّه فقال : أيحيي الله هذا بعد ما بلي ورمّ ؟ فأنزل الله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] ، فاستدل الله عز وجل بردّ النشأة الأخرى إلى الأولى والجمع بينهما بعلة الحدوث ، أو هي بما لبعثة على سبيل الاستدلال بقدرته سبحانه على إذهابهم والإتيان بأمثالهم وإحيائهم بعد موتهم وفاء بوعده « 3 » . ويواصل الزمخشري تأويله لآي الذكر الحكيم من خلال اعتماد الاستدلال العقلي في مواضع كثيرة ينتصر فيها لأصل من أصول المعتزلة وهو اتفاقهم على أن الله عز وجل لا يفعل إلا الصلاح والخير ، ولكنهم اختلفوا في وجوب الأصلح واللطف « 4 » ، فقد أورد بناء سؤاله على هذه الخلفية . قال : « فإن قلت : كيف جاز أن يؤتي الله الملك الكافر ؟ قلت : فيه قولان : آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع . وأما التغليب والتسليط فلا . وقيل ملكه امتحانا لعباده » « 5 » . فقول الزمخشري : « وأما التغليب والتسليط فلا » ينزع فيه منزع المعتزلة لأنه عندهم هو الذي تغلّب وتسلّط ، وعلى هذه الخلفية الاعتزالية يكون التغليب والتسليط فعله لا فعل الله . وهو مع هذا يتضمن أساس قاعدتهم التي يرون فيها وجوب مراعاة الله سبحانه الصلاح للعباد أو ما هو أصلح لهم « 6 » . ولأن المعتزلة لا يرون خلق الله تعالى لأفعال العباد ، وإنما هم خالقوها لأنفسهم أوّل قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ
--> ( 1 ) م ن ، ج 4 ، ص 34 . ( 2 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 4 ، ص 34 . ( 3 ) انظر ابن منظور ، لسان العرب مادة ( نشأ ) ج 1 ، ص ، 170 وابن قيم الجوزية ، التبيان في أقسام القرآن ، ج 1 ، ص ، 123 وتفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 260 . ( 4 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ، تحقيق هلموت ريتر ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط 3 ، ( د . ت ) ص ، 576 وكذا البغدادي ، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ط 2 ، ص 167 ، ( مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي 1999 الأردن ) . وكذا الشهرستاني ، الملل والنحل ، تحقيق محمد سيد كيلاني ، دار المعرفة ، بيروت ، 1404 ه ، ج 1 ، ص ، 45 وانظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، دار الفكر اللبناني بيروت ، ط 1 ، 1992 ، ص 323 - 324 . ( 5 ) الكشاف : ج 1 ، ص 388 . ( 6 ) انظر الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، 388 . وكذا أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 2 ، ص 627 .