السعيد شنوقة
375
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الزمخشري بأن العقل كاف في إباحة هذه الأشياء فإن السنيين يقولون بإباحتها لأن الآية دالة على ذلك وعليه فإباحتها شرعية سمعية لو لم تدل عليه الآية لم يكن للاستدلال بها أي مطمع « 1 » . وإذا كانت الأشياء قبل ورود الشرع مباحة بناء على قوله عز وجل : خَلَقَ لَكُمْ [ البقرة : 29 ] لكلّ أن ينتفع بها ، فإن بعضهم رأى بأنه « إذا احتمل أن يكون اللام في ( لكم ) لغير الملك والإباحة لم يكن في ذلك دليل على ما ذهبوا إليه « 2 » ، وذلك على أساس ما أورده في أنّ ( لكم ) متعلق ب ( خلق ) وجعلت اللام فيه للسبب بمعنى لأجلكم ولانتفاعكم أو لاعتباركم . ورأى بعضهم بأن اللام للتمليك والإباحة ؛ فالتمليك خاص بما ينتفع به الخلق وتفرضه الضرورة ، أو للاختصاص الذي هو أعم من التمليك . وقد حسّن بعضهم حملها على السبب مفعولا لأجله لأن بما في الأرض يحصل النفع الديني والدنيوي « 3 » . ويذهب الزمخشري إلى أحد أصول الاعتزال وهو نفي القبح عن الله تعالى وأنه لا يفعل إلا الأصلح وذلك في تفسير الآية : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] . أَ تَجْعَلُ فِيها : « تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير » « 4 » . إنه يستعظم نسبة الفواحش والقبائح إلى الله تعالى « 5 » ، ولا ريب في أن هذا الاستعظام حق إلا أنه موضع خلاف بين المعتزلة وغيرهم من السنيين بخاصة ، ويكمن الخلاف هنا في أن القبح صفة ذاتية للقبيح يلزم عنه أن كل فعل مستقبح من العبد هو فعل مستقبح من الله تعالى . هذا ما يراه المعتزلة أما أهل السنة ، فيرون أن الله ينهى العبد عن أن يفعل الفعل لأنه قبيح وإن كان بالنسبة إلى الله تعالى حسن ؛ فهو لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] .
--> ( 1 ) ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 270 . ( 2 ) أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 1 ، ص 215 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 215 . ( 4 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 271 . ( 5 ) م ن ، ج 2 ، ص 469 - 568 .