السعيد شنوقة
373
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الاختيار . أما الاعتبارات الأخرى مثل الحتميات الطبيعية التي تخضع فيها أحكامها لقوانين خارجة عن إطار القدرة الإنسانية أو اعتبار اللطف الإلهي الذي هو تيسير إلى فعل الخير والطاعة وترك الشر والمعصية . لا يرى المعتزلة هذه الاعتبارات تؤثر سلبا في الذات الإنسانية الفاعلة ولا تؤثر في وجوب أفعالها عنها « 1 » ، وهو ما نجده في تفسير الزمخشري للآية : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ البقرة : 269 ] فسّر يُؤْتِي الْحِكْمَةَ : بأنه عز وجل يوفق للعمل والعمل به والحكيم عنده تعالى العالم العامل « 2 » ، والمقصود كما ذكر جولد زيهر هو أن الحكمة والعلم من الأمور المكتسبة ، وأن الإنسان ذاته هو المؤثر في اكتسابها على أنه السبب الفاعل لا أنها تمنح له بمجرد إرادة الله سبحانه ، وإنما الذي يمنحه عز وجل اللطف الإلهي ليستقل الإنسان بالفعل . وعلى هذا فالمريد والفاعل هو الإنسان وهو السبب المستقل . وتبعا لهذا يصبح هو المسؤول الحقيقي عن أفعاله الصادرة عنه سواء كانت عقلية أم خلقية . ويمكن أن نفهم ذاك من تفسير الزمخشري للآية : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] : يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فيتجنب ما نهى عنه « 3 » . إذن ، فالعمل من العبد والله ، عز وجل يجعل العبد المكلف بالعمل أقرب إلى فعل ما كلّف به بأن يوفقه إليه ويمنح من استحق ذلك لا غير ليفعل الخير أو يتجنب الشر ويتركه « 4 » دون أن تسقط المسؤولية عن الفاعل أو يخرج الفعل عن كونه مقدورا لهذا الفاعل أي أن قدر الفعل واقع من الفاعل على جهة الإحداث والتقدير ولا دخل للطف الإلهي في هذا عندهم « 5 » ، وإذا كان المعتزلة قد عظموا العقل واعتدوا به وآمنوا بقوته ومقدرته على إدراك الأشياء والتمييز بينها ، فإن هذا المبدأ حملهم على وضع قاعدة في المعارف ، قالوا : « الفكر قبل ورود السمع » و « أوجبوا
--> ( 1 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 135 . ( 2 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 396 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 397 . ( 4 ) انظر جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 175 - 174 . ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 134 - 133 . ( 5 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر عند المعتزلة ، ص 134 .