السعيد شنوقة
330
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الختم معنى ؛ فالختم على القلوب : « عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته . وعلى السمع : عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعوا إلى وحدانيته . وعلى الأبصار : عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته . هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم » ثم قال : « هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال والكفر والإيمان » إلى أن قال « 1 » : « فاعتبروا أيها السامعون ، وتعجّبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم ؛ فإنّ الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا ؛ وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة ، فمتى يهتدون أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [ الأعراف : 187 ] . وكان فعل الله عدلا فيمن أضله وخذله إذ لم يمنعه حقا وجب له فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم . ويرد القرطبي على المعتزلة قائلا : « فإن قالوا : إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية « 2 » والحكم والإخبار بأنهم لا يؤمنون ، لا الفعل . قلنا : هذا فاسد لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا ؛ لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم ؛ ألا ترى أنه إذا قيل : فلان طبع الكتاب وختمه كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما لا التسمية والحكم . هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة ، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال تعالى : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 155 ] ، وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه الصلاة والسلام والملائكة والمؤمنين ممتنع ، فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم ، وأنهم مختوم عليها ، وأنهم في ضلال لا يؤمنون ، ولا يحكمون عليهم بذلك . فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم ، وإنما هو
--> ( 1 ) انظر م ن ، ج 15 ، ص 250 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 187 .