السعيد شنوقة
323
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
أصولهم الفكرية غير بعيد عن الجدل والصراع الكلامي المثار آنذاك ، وبنوا تعمقهم واستقصاءهم في ذلك على سلاح التأويل والمجاز « 1 » . وفي ضوء قاعدة المعتزلة التي حملوا فيها الآيات القرآنية التي يفهم من ظاهرها التجسيم على المجاز أوّل الزمخشري وصف الله تعالى « بالرحمة » على المجاز ؛ قال : « فإن قلت : ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة ، ومعناها العطف والحنو ، ومنها الرّحم لانعطافها على ما فيها ؟ قلت : هو مجاز عن إنعامه على عباده لأن الملك إذا عطف على رعيته ورقّ لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ، ومنعهم خيره ومعروفه » « 2 » ، فقد أول « الرحمة » على المجاز لوجهين : الأول : لأن معتقد المعتزلة يؤوّل كل ما يفهم من ظاهره التجسيم أو الحلول في جهة أو مكان تأويلا ينزّه الله سبحانه عن المشابهة والمماثلة ؛ ولهذا أول وصف الله جل جلاله بالرحمة على معناه المجازي وقصد به الإنعام والمعروف ، ولم يخرجه على معناه اللغوي الذي ذكره وهو العطف والحنو « 3 » بمعنى الشفقة والرقة وهي من الكيفيات والأوصاف التي تتبع المزاج والله عز وجل منزّه عنها لما فيها من الدلالة على التجسيم والحلول . الثاني : لأنه ينفي عن الله تعالى الصفات القديمة المستقلة عن ذات الله ؛ فهو يعتقد بوصفه معتزليّا أن الله سبحانه « واحد في ذاته لا قسمة ولا صفة له وواحد في أفعاله لا شريك له ؛ فلا قديم غير ذاته ولا قسم له في أفعاله ومحال وجود قديمين ومقدور بين قادرين وذلك هو التوحيد » « 4 » . ولا يقول الزمخشري في مذهبه بزيادة الصفات أو بخروجها عن ذات الله عز وجل لأن القول بها معناه أنها قديمة مع قدم ذات الله تعالى . وهذا يقود إلى أنه إذا
--> ( 1 ) م ن ، ص 194 . ( 2 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 44 . ( 3 ) جاء في لسان العرب : الرحمة : الرقّة والتعطّف . وترحم عليه : دعا له بالرحمة . واسترحمه : سأله الرحمة . ورجل مرحوم ومرحّم شدد للمبالغة . مادة ( رحم ) ، ج 12 ، ص ، 230 والرازي محمد بن أبي بكر ( ت 721 ه ) ، مختار الصحاح ، مادة ( رحم ) . ( 4 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 55 .