السعيد شنوقة

320

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

تعالى بقدرة ؛ قال الطبري معناه : « إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه » وقال : « فيه بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم في القدر مع كفرهم به » « 1 » ، وقد خرّج بعض نحاة البصرة ( كل ) على النصب وفق لغة من قال : عبد الله ضربته لكثرتها في لغة العرب . غير أنها رفعت في لغة ، ورفعت على وجه آخر بجعل ( خلقناه ) من صفة الشيء « 2 » . وقيل : نصب لأن ( خلقناه ) فعل لقوله ( إنا ) وهو أولى بالتقديم إليه من المفعول ، لذا اختير النصب . وجاء في تفسير السيوطي : ( خلقناه بقدر ) : خلق الله الخلق كلهم بقدر وخلق لهم الخير والشر بقدر . وإجماع القراء على اختيار النصب إنما كان على اختيار نحاة الكوفة الدال على عموم الأشياء المخلوقات لله بخلاف اختيار الرفع على أصول البصريين الذي اعتمد عليه المعتزلة ليقروا بأنه ثمة مخلوقات لغير الله عز وجل « 3 » . ويفهم ذلك من تفسير الزمخشري « وقرئ كل شيء بالرفع والقدر والتقدير ، وقرئ بهما : أي خلقنا كل شيء مقدارا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة أو مقدرا مكتوبا في اللوح المحفوظ معلوما قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه » « 4 » . ويذكر القراءة التي توافق ما يريده في بعض أصول المذهب بأن الله تعالى لا يفعل إلا الحسن الذي هو من مقتضيات حكمته عند الآية : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ [ السجدة : 7 ] : « وقرئ خلقه على البدل أي أحسن خلق كل شيء وخلقه على الوصف : أي كل شيء خلقه فقد أحسنه » « 5 » . ويحبذ في موقف آخر قراءة أبي السمال بفتح همزة ( أمّا ) في قوله سبحانه : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 3 ] ليبيّن على أصله الاعتزالي أن الشكر بتوفيق الله وبأن الكفر بسوء اختيار أهله : « وقرأ أبو السمال بفتح الهمزة في أما وهي قراءة حسنة ، والمعنى : إما شاكرا فبتوفيقنا وإما كفورا فبسوء اختياره ولما ذكر الفريقين أتبعهما الوعيد أو الوعد » « 6 » .

--> ( 1 ) تفسير الطبري ، ج 27 ، ص 110 - 111 . ( 2 ) م ن ، ج 27 ، ص 111 . ( 3 ) مكي بن أبي طالب القيسي ، مشكل إعراب القرآن ، ج 2 ، ص 701 . ( 4 ) الكشاف ، ج 4 ، ص 41 . ( 5 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 241 . ( 6 ) م ن ، ج 4 ، ص 195 .