السعيد شنوقة
303
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الملائكة إلى غير الأنبياء وأن الله لا يصح أن يرى ، وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون . وإما أن يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنّت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت ، وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] . وهو يعتمد في نفي أن يشاء الله القبائح على ما أنزله عز وجل في كتبه وعلى ما أخبر به الرسل عليهم صلاة الله تعالى وسلامه . قال في تأويل قوله عز وجل : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ الأنعام : 148 ] : « أي جاءوا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وجل ركب في العقول ، وأنزل في الكتاب ما دلّ على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها » ثم أضاف معتمدا على السماع : « والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته ، فقد كذب التكذيب كله ، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله ، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره » « 1 » . ولا شك في أن قوله هذا يبرز ما عرف بين المعتزلة فيما أسموه نظرية الدليل التي يمثل العقل « 2 » فيها أحد المصادر التي يعرف منها الحق إلى جانب الكتاب والسنة إذ بنوا معرفتهم للحق على العقل قبل القرآن الكريم والسنة الشريفة . وما لبثوا أن ارتفعوا به إلى مستوى البرهان في مسائل العقيدة والإيمان ، وأسسوا من هذا نظرية الدليل وقواعد علم الكلام الإسلامي ؛ لذلك كانوا قد فرقوا بين نوعين من الدليل : دليل العقل ، ودليل السمع . لكنهم جمعوا بينها ليوضحوا مقاصد الآيات القرآنية . وقد قال القاضي عبد الجبار ( ت 415 ه ) في أول ما ينبغي على العبد معرفته : « إذا لم يكن بد من النظر ، فينبغي أن ينظر في هذه الحوادث من الأجسام وغيرها ويرى جواز التغيّر عليها فيعرف أنها محدثة ثم ينظر في
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 59 . ( 2 ) ذكر الأشعري تعريف أبي الهذيل للعقل بأنه « علم الاضطرار الذي يفرّق الإنسان به بين نفسه وبين الحمار وبين السماء وبين الأرض ، وما أشبه ذلك ، ومنه القوة على اكتساب العلم » وأضاف الأشعري قائلا : وزعم بعضهم أن هذه العلوم كثيرة منها الاضطراري الذي يمكن أن يدركه الإنسان قبل تكامل عقله من اختيار الأشياء والنظر فيها وفي بعض الذي هو داخل في جملة العقل كأن يعلم الإنسان استحالة دخول الفيل في خرق إبرة بعد أن شاهد ذلك بحضرته فنظر وفكر وعلم النتيجة . انظر مقالات الإسلاميين ، تحقيق هلموت ريتر ، ج 1 ، ص 400 - ، 401 وكذا د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 175 .