السعيد شنوقة

30

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

قلت : « قل الحق » فليس في تأويله غير قول الحق ، وإن قلت : « الدّين ذلّ بالنهار وهمّ بالليل » فإن تأويله ليس سوى مذلة الدين وهمه بالنسبة للمدين نهارا وليلا . وما أخبر به الله تعالى هو نفسه . والتأويل في حقيقته « علم خاص » بمن اصطفاهم الله عز وجل واختصّهم به ، وهم : النبي صلى اللّه عليه وسلم ويوسف الصديق والخضر - عليهما السلام - . وقد أضاف بعض الدارسين ابن عباس على الرغم من عدم مجيء ذكره في القرآن الكريم لدعاء الرسول صلى اللّه عليه وسلم - له - فيما رووا : « اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل » « 1 » أو كما قال « 2 » . وعرّف الشريف الجرجاني التأويل قائلا : « التأويل صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقا بالكتاب والسنة مثل قوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [ الروم : 19 ] إنّ أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا ، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل ، كان تأويلا » « 3 » ولما كان الرأي يطلق على الاعتقاد والاجتهاد والقياس فإن قولهم : « أصحاب الرأي » معناه أصحاب القياس ، لذا ذهب بعضهم من خلال هذا إلى أنّ الرأي المقصود هنا : الاجتهاد ، وعليه فإن التفسير بالرأي إنما هو تفسير القرآن بالاجتهاد وذلك بعد أن يبلغ المفسر ما يحتاجه من عدة في هذا العلم كالدراية بكلام العرب وبأساليبهم وألفاظ لغتهم ومعانيها المختلفة ، وما يرفده من شعر جاهلي ، ومعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ ، وعادات العرب ، والقراءات ، وأصول الدين والفقه والحديث المبيّن للمجمل ، وعلم القصص ، وعلم الموهبة « 4 » . لقد تحفّظ المسلمون بعض الوقت من تفسير القرآن بالاعتماد على الرأي واكتفوا فيه بما نقلوه عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وبما ثبت لديهم عن الصحابة أو بما فهموه من اللغة ومقتضيات أساليبها وتعابيرها ، وكان توقفهم عن تأويل الآيات لأمرين :

--> ( 1 ) مسند أحمد ، حديث رقم 2274 - ، 2731 ذكره البخاري : « اللهم فقهه في الدين » حديث رقم 140 . ( 2 ) انظر الفرق بين رواية البخاري والإمام أحمد بن حنبل . ( 3 ) التعريفات ، ص 65 وما بعدها . ( 4 ) انظر السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 181 .